الخميس، 6 سبتمبر، 2012

ملائكتي ~


 

ملائكتي

 



 

ياللملل ! (0)

 

الرجال يموتون من الحب ، والنساء يحيين به" دوبرييه"

 

بينما يبدوا الملل متحجرا في الهواء , و تزدحم الافكار و الاحداث في السنوات الماضيه في راسي , خطر لي أن اتحدث عن ماحدث ولو بطريقة مختصرة , حتى و أن تُركت بعض التفاصيل محنطةً بالنسيان علَّ و عسى ان اتذكرها , و ترك لي من قراراتي احدها في محاولة تحقيقه بعد عناء . قراري في الكتابة لآ يحجم الا عن فكرة واحدة , و هي الكتابة فقط !

 

تمر الايام بتتابع ممل و اشعر بحزن بالغ يمتص روحي او البقايا المشبعه بتجديدات الحياه التي لا تكف عن الحدوث يوما بعد يوم ، وللصدفة ادع حقيقة انها لم تجف بعد وما زلتُ كالندى اتساقط يوما تلو الاخر ، وتتعدد المحاولات اليائسة لأعمل على شفاء روحي الجريحة المعلمة بخذلان احبة قد رحلوا ونهايات لأ تمت للسعادة بصلة , سارقة علي وقتا ثمينا قضيته في محاولاتي بائسا في نسيان الامي والشفاء منها ما جعلني اقبع على شرفتي في كل يوم مهدراً جلوسي في انتظارات لن تعيد لي مافقدت أو تغير من حالي شيئاً

. او ربما رغبة في تحديد مصير ايام انا عالم بانتهائها بذات البطء والرتابة , لا أعتقد ان شقائي كان كمريض او مسن تعب في العمل على وصوله الى دورة المياه والممرضة التي تساند جانبه الايمن فقط لان من المفترض عليها ذالك , ووجوده في دار المسنين ايضا لان الحياة فرضت عليه التواجد فيها ، اعي بذاتي احيانا حين ارى بأنني افعل احزاني ذاتها وفي كل يوم ، لأقول بأنني و منذ الصغر تمنيت احداهن واردتها بكامل قواي بل انني قد اقاتل بحثا عنها بالرغم من انني مجهد لكثرة الخيبات التي وجدتها في فترة قصيرة من الزمان ، واستغباء محض في الاستمرار يدعوني للضن لعلي اجدها يوما ما ، احمل قناعات مختلفة ورؤية مختلفة وشخصا اخر في داخلي حتما ، شخصاً يتحمل صراخ الاطفالِ أخر الليل و يتلذذ بالقهوة العربية و غير ذلك من امور لا اجيد معظمها , و اعلم في داخلي ان ما حدث كان مجرد نهايات مقدر حدوثها ، ولكن لا يُحكى عنها كراو محى النهاية ليبدلها بأخرى محببة للسامع سماعها ، الجو من حولي تتخلله كئابات كتبت بقلم امِّي لا يعرف القراءة ولا الكتابة و لسوء حظي كانت قد كتبت بقلم لا يمحى لتوحي الي بان اكف عن محاولاتي في التجديد وترميم ما تبقى من قلبي ، لا اكتفي بالحديث عن ذكريات قد فنت واحتلت المكان الاكبر في ذاكرتي الضيقة مساحاتها ، لذا فأنني اجلس هنا كل يوم لأكتب الكلام ذاته وبصيغة مختلفة احيانا . لعلي اكون محقا حين اقول انني ذهبت حيث لم اذهب و كنت ما لم اكن وأشياء كثيرة اخرى ، انني اسأم وضعي وأعيشه مختنقا بهدوئه وبرودته التي لا داعي لها كل يوم لذا لا ضير من التجديد .

 

اي حكمة تلك ان كنت اعيش حياةً بلا مغزى ولا معنى ، احدى الفاظ الفراغ لأبقى حيث لا يجدر بي ذالك ، ومازلت ادعي بأنني احيى لأعثر على حبيبتي وانه لربما كان السبب في انكاري لمواثيق الوجود منذ البداية ، السبب في انكاري لسعادتي وحزني واي مشاعر اخرى تحتاج الى مجهود الشعور بها ، ربما يجدر بي ان افقد احساسي او اخبئه في احد جحور النسيان الى ان اجد كذبتي الكبرى ، او حلا لبقائي الابكم ، الذي لا يكف عن الكلام ما أن يصمت جموع الناس و يختلي بي , ما ان اصمت مجادلا اياي في احقية ان اعيش بلا حب او ان لا اعيش ابدا . وأنني لاتارجح بين هذا و ذاك وأكفكف دميعاتي التي لا تعرف وقتا افضل من الليل لتظهر فيه وأتصنع ايجادي الطريق من خلال بدايات عابرة اكاد اصدق دوامها احيانا ، فتبكيني تارة وتضحكني في اخرى , لأدرك مجددا بأنني مازلت حياً لأكتب عن ذالك !

 

اذكر بأنني كنت ابقى متململاً و مجهدا لانني حين اتي من عملي و اجلس على شرفتي بأحاديثي الكثيرة المتراكمة في عقلي و على أن احل معضلة بقائي وقهوتي تبرد وتمل مني وسيجارتي الرابعة انهيتها توا وأوراقي تكومت لتتناثر هنا وهناك تعبر عن خط سيء او جمل غير متراكبة او عن تكاسلي عن ترتيبها غالبا ، بينما انا حانق بهدوئي المعتاد على نفسي وأفكر اذا ما كنت حقا اصدق المي ام اكذبه بإنكار كافة جروحي القديمة الغير ملتئم بعضها و الاستمرار في بحثي غير مكتف ولا مقتنع بانه ليس هناك من يشابهني حسا وتفكيرا و ان من يقدرون الحب ويدركون قداسته قد انقرضوا حقا ، قلّبت هواجسي في راسي كثيرا ، وأضغاث كلمات لا تزال عالقةً بذهني لأجد حلا معقولا ارضي به الطرفين ، بدلا عن سخافة واقعي وتشاؤم المجتمع ، اني اعلم انني ولان حكيت جدالي احدا لأدخلت مصحة ما منذ زمن ، احمد الله على عقلانيتي المجنونة ، بالرغم من حيرتي وتساؤلاتي اللامتناهية ، اعلم بل يجب ان اعتقد وأؤمن انني ساجد حلاً بطريقة ما فالنهاية ، وان سقطت الامم وان قامت النهاية الكبرى وان انتهيت انا دافعا ما تبقى من عمري باحثا و ابقى انا هنا.. بدلا من الخروج الى واقعي في محاولة كباقي المخاليق لتجربة ما اكتب عنه , و اعمل على رؤية ما اتمناه يتحقق , افضل حقا البقاء هنا , لأكتب عن ذالك !

 

(1) بين ايامي و انا !

 

إننا نطيل الكلام عندما لا يكون لدينا ما نقوله "اندريه شينيه "

 

كانت الايام تمضي و تمر وانا متأففٌ من احداث قد تبدو عادية لبعضهم ,حياتي تمر بدقائقها وساعاتها ومازلت انا في مكاني لم اتحرك خطوه الى الامام او حتى لأرجع الى الوراء , و أنا كمثل الاطفالِ اتمنى واتمنى و الغياب يُشبعني غياباً فوق العادة , قد تذل الامنيات احيانا وترجع خائبة كأطفال بدون حلوى ليلة عيد . تلك ايامي تمضي وأنا اتامل في جدران الوقت ان كان هنالك بالفعل امل ان اتغير انا او يتغير حالي , ومن الطرافة انني وصفت بأنني ذا حس مرهف ولا اعلم حقا لم قيل ذالك , ربما لان الرجال عامة لا يحبون الافصاح عما بداخلهم , اما انا فلا اطيق ذالك , انا هكذا ,! لا اخفي شي بالرغم اني لا اظهر الكثير ايضا , عديم الثقة بالرحيل ربما , قد يأتيني بغتة و اانا لا استطيع الالتفات لتوديع ما علي أن اودعه , اعلم بأنني لا احب القهوة ومع ذالك اتجرعها احيانا فأنها تساعدني على فهم ما تخطه يدي من خربشات على الورق ,انا مدمن لسيجارتي و اجد فيها منفذا للتنفيس عن ما بداخلي في معظم الوقت , تمر ساعات لا اخرج من بيتي اقرء كتابا او ما شابه , وخلال ذالك الوقت المنصرم غالبا ما اكون اكتب او ادخن سيجارتي بهدوء على شرفتي وبضع انغام هادئة من مسجلتي لفيروز وما الى ذلك من المغنيين العرب القدامى . عشقت كلماتها ذات المعاني الغزيرة بالرغم من بساطتها ,لا اعلم ان كنت مختلفا كثيرا عما يفترض بي كونه , لكنني احب ذاتي كما انا , تلك الاغنيات القديمه هي ما يشدني سماعه , كلمات تحمل عبقا قديما و ذكريات لا عوض عنها , و تخرجني لدقائق من واقع اود نسيانه , لست انطوائيا كما قد يظن البعض لكنني عاشق للهدوء , ولست اقصد بذالك رتابة الحياة ذاتها ,كالروتين المتكرر وأشياء افعلها كل يوم دون اي تغييرات تُذكر , انا لا احب هذا مطلقا !

 

اهتماماتي مختلفة كثيرا و في نقطةٍ ما , عادت بي ذكرياتي لسنيني الاولى في الروضة , حين كان هنالك كمُ من القبعات لمهنٍ مختلفه على احد الرفوف, ادعيت بأنني طيار في لعبةٍ للمهن اختارتها لنا المعلمه , وأننا على وشك التحليق عاليا , لتأتي طفلة بعمري وبدون سابق انذار لتاخذها وتجزم انها اختارت ان تكون كابتن الطائرة قبلي .

 

غضبت حين لم تعدها لي اخبرتها بأن الفتيات لا يسقن , وشرعت ابكي وحنقت على ابي كثيرا حين وضعني في هذا المكان و ذهب , اشفقت علي المعلمه فقايضتنا بالحلوى لنلعب سوية, وبعد ترددٍ و الحاح , لم يخالف بعد ذالك يوم واتيت فيه ولم العب معها مجددا , صديقتي الصغيره , و كانت الايام تمر لتنبئني في كل يوم بأمر جديد , الامر الذي لم اعلمه ان والدتي كانت متوفاة منذ ولدت اخي الصغير الذي و بعد فترة مات هو الاخر لأنه ولد قبل اوانه و لم تتناسب رئتاه ليتنفس جيدا . لم أكن اعلم حينها ولم اكن الحض الفرق كثيراً , كبقية الاطفال لم يكن عقلي كافٍ لاستيعاب ما يجب علي استيعابه , لم احضر دفنها لأن والدي لم يدعني و فضّل أن ابقى لدى خالتي الى ان ينتهي من كل شيء , انا لا اذكر تفاصيل ما حدث ولا ما كان من المفترض ان اعلمه حين ذهابه هو مع بقية رجال العائلة الا انني شعرت يومها اني فقدت شيئا ينبغي الا يفقد , وما اكد لي ذالك رؤية اشخاص يتوافدون الى منزلنا كل يوم بهمومهم ليحادثوا ابي قليلا في عمله كما اخبرني , لا اعلم اي مصيبة تلك اللتي حلت بعمل والدي , جعلت الاشخاص المقربون اليه اصدقائه من العمل وأقرباء وآخرون لا اعرفهم يتجمعون عنده هكذا , ولا السبب في بكائه ليلا حين سجوده , ولا عن النظرات و الافواه التي لا تكف حديثاً عن كم أنا " طفلٌ مسكين " و هكذا . و في اواخر الليل اذكر انني كنت استيقظ لعطش قد اصابني لأرى والدي ساجدا ويتحشرج صوته في الكلام بسبب بكائه , تلك بضع امور لم اسال عنها . صديقتي الصغيره لم تعلم شيئاً من كل هذا بل بادرتني حين كنا نلعب في ملعب الرمل ونكاد نصنع شبه بيت كنا نصنعه رمت خصلة من شعرها الطويل المشعث الى ألخلف : اين والدتك لا تأتي الى هنا مطلقاً ؟ وهي ترمقني بنظرات متسائلة لأجيب عليها , و اشارت الى بوابة الروضة حيث كانت والدتها تقف لأنتظارها , في زهوة انشغالنا في بناء البيت الرملي او القصر كما كان من المفترض ان يكون ولم يكن , لم اعلم ماذا يجب علي ان ارد , انا نفسي لم اكن اعلم اين رحلت والدتي ! , ولكنني حين سالت ابي ليجيبني عن سؤالها اجابني بعد حين : امك ذهبت بعيداً ي ولدي , تحضر اغراضا ثم تأتي مجددا , عليك ان تدرس حتى اقنعها ان تحضر لك معها هدايا حين تأتي , بقيت اتقلب ليلتها حرصاً على ان لا انسى الجواب الذي ساقوله لصديقتي . و منتظراً ان اذهب للروضة مجددا فقط لأخبرها بما قاله لي ابي , يومها معلمتي كانت تستمع و لم اعلم لم اهدتني حلوى مستطيله ,وراحت تربت على ظهري : انت ولد شاطر . اولت السبب في ذالك الى انني لعبت بهدوء ذاك اليوم ولم اتسبب في ألإزعاج كباقي الاطفال .

 

(2) مما أتذكر ..

 

السر في كونك شخصا مثيرا للملل ، هو أنك تقول كل شي "فلوتير "

 

و بعد مرور الايام , بقيت أنا لا أعلم حقيقة امري , و لآ ارتعاش يديّ جدتي كلما نظرت الي .

 

تدهورت احوالنا الماديه بعد الزيارات المتتابعه ,و لكن ليس بالحد الذي يجعلنا نعيش فالشارع . نقلت من الروضة الى الصف الاول , و اتى والدي لأصطحابي من روضتي في اخر يوم ودعت فيه صديقتي , و لكن لا بأس , هي تسكن معي في ذات الحي . لطالما كانت رائحة الاشياء الجديدة تثير تساؤلات في ذهني . كنت خائفا حين تسجلت في الابتدائية للصف الاول ثم تلا ذالك انني لم ارد الذهاب في اول يوم بل انني قد تمارضت كي لا اذهب ولكن ابي كان يعلم الكذبة المعتاده و لم يدعني ابقى , قال : الم اقل لك انه يجب عليك ان تجتهد و تصبح ممتازاً ؟ . لم اجاوب وذهبت مُرغما , جلستُ بعيدا اشاهد الاطفال كبارا و صغارا في شؤونهم الخاصة يلعبون سوية او يتكلمون و قلة فقط ممن لا يرتدون الثوب حيث انه كان متوجبا عليهم ذالك ,ابي كان حريصا ان اكون بالشكل المناسب وجعلني ارتديه أيضا , دخلت الى المدرسة مبكراً , و اخترت بقعةً لا افارقها الى ان تبدأ الطوابير بالاصطفاف , كنت انظر اليهم و الى ما يفعلونه , لكن و بينما انا انظر اليهم ليغافلني فتى ويجلس بجانبي , كان بعمري واسمه معتز اخبرني بذالك دون ان اساله , لم يكن لدي الوقت للإجابة حتى : انت في السنه الاولى مثلي صح ؟ كنت على وشك ان اجيبه على سؤاله ولكن سرعان ما رن الجرس , اخذ بيدي الى طابوره , هو حضر اليوم الاول بينما ان حضرتُ في اليوم الثاني لذا هو يعلم اين نقف , لم اعلم بأي صف انا ولكن الاساتذة لم يعطوا أهتماماً بانني كان المفترض ان اكون فالصف الاول"أ " بدلا عن "ب " لحسن الحظ اتممت معه باقي السنه ليصبح معتز اعز صديق لي الى هذا اليوم !

 

أذكر و في الصف الخامس سألني معتز: لماذا تذاكر دائما ؟ سالني معتز وهو يلهو بحقيبة اقلامي ويدورها من طرفها على اصبعه ,اجبته وانأ اكمل الدفتر من احد الاولاد في حصة فراغ بان علي ان اذاكر حتى أفعل كما ارادت والدتي قبل ان تذهب , ثم اردف قائلا: لماذا اين ذهبت ؟
و اخبرته بما اخبرتني به جدتي , اومىء بأنه فهم ما اقوله ثم بدأت الحصة .

 

ضل مقعد معتز لا يفارق مقعدي في الصف الذي قبل الاخير الى ان اصبحنا في الثانوية ونحن على عهدنا هذا لا نفترق , عشت معه تجارب كثيرة جدا , ولطالما كان معتز اخا لي , في الزمن هذا, تفسر الصداقه احيانا بتفاسير خاطئة , لذا حتى في المتوسطة لم تخلو علاقتي به من شكوك الاخرين , كوننا لا نفترق مطلقا , لكنه كان حقا .. صديقا لي الى النهاية .

 

حكى لي ابي مرةً عن امي قائلا لي كيف كانت وماذا كانت لتفعل في معظم اوقاتها , كيف تقابلا و كيف حدثت زيجتهما , في اول الامر لم يرض جدي ابا امي بأن تتزوج امي من ابي, جدي لامي كانت اماله عالية جدا,ولم يكن يحسب للحب حسابا , لم يكن من يعرفه ليقول انه كان مؤيدا لفكرة الحب برمتها, بل من الذي يؤيد هذا في ذاك الزمن و في السعودية , كان فكره خاطئا تماما ومجردا من تلك المعاني ولآ يخلو ابداً من نظرة العيب و التخلف , حتى و ان كان يحب جدتي , لكنه كان يغضب على امي حين يعلم انها تراسل ابي او تحادثه بحكم العادات والتقاليد والعيب .. الخ التي تمنع ذالك , ولكن ابي لم يرض برفضهم له ,كان يعلم بحبها فلم يكف عن المحاولة , في المرة الاولى درس جيدا لكي ينال وظيفة مرموقة كي تثير اعجاب جدي , تخصص في ادارة الشركات ليدير شركته الخاصة , ولكن جدي اراد لها طبيبا حيث ان ذالك لم يكن تخصص ابي مطلقا , متعذرا ان الشركات عمل غير مضمون .

 

تقدم لها اكثر من مرة الى ان وافق اخيرا و على مضض و لكي يقطع عن السنة الاخرين الاقاويل , ثم تزوجا , احبها ابي حقا , ولكن ابي ليس من النوع الذي يفصح عن حُبه قولا,ولكنك لتعلم حين تراهما بصدق ما يشعران به , وله ابي بها غير محدود أبدا , انا متألم لما حدث له , لان ابي عاف النساء والزواج منذ ذالك الحين وعكف على تربيتي و على عمله ليعودا كما كانا , قائلا ان امي لم تكن لتريد لي عيشة بائسة ,لو تعلمين ي امي كيف جعلته بائسا برحيلك , اراه ولا اتكلم ,و افضل الكتابة عن ذالك !

 

غريب امرنا حين نريد ما نريد ولا نعلم لم نريده , تلك امور غريبة تطراء ببالنا حين نظن ان من السعادة ان نحصل على اشياء ولا نعلم انها سعادة سريعة الزوال , هاجس السعادة الابدية غير حقيقي , بل ربما جميع حياتنا غير حقيقية , نريد ما نريده باعتقادنا انه سيجلب السعادة لنا , ماذا ان كان اعتقاداً خاطئا ؟ , ماذا ان كنا نريده اكمالاً لنقص او فراغ, وحين نحصل عليه نريد اشياء اخرى , لنكمل ذات النقص الذي لا نعلم ماهيته و ضننا باننا قد شفيناه ولم نفعل , و غالبا نُكون اخطاءً بسبب المحاولات الخاطئة في اكمال النقص .

 

(3) ذكريات ناقصه


رأيك بنفسك أهم من رأي الآخرين فيك "سنيكا"

 

يضل نقصنا واضحا لأنفسنا ولا نعلم ما هو , مقياس سعادتنا يختلف عن اشخاص اخرين , في بساطته او صعوبة مطالبنا , ولكن ماذا نقول لمجرد صور سبق تصويرها , فكل ما هو في عقلنا مجرد صورٍ حدثت لاخرين او حدثت لنا , نعيش على تكرارها عمداً , حتى طريقتي في غسلي لأسناني مثلاً هي مجرد صورة اخذتها حين رأيت ابي يفعل ذالك , في الحقيقة كل ما نفعله هو كذالك ,نحزن لأنه يجب علينا بان نحزن , نفرح لأن ماحدث يوجب علينا ان نفرح ,ماذا أن كان الاحساس غير محدود بهذه الطريقة , ماذا اذا شعرنا بأحاسيس مختلفه جدا عن المفترض , ماذا و على سبيل الجنون للحظاتٍ ان فرحنا حال حزننا و حزننا حال الفرح لم نتقيد بالقوانين هذه ؟ بينما نحن من نتحكم بما نشعر وكيفية الشعور به بل حتى متى نشعر به!

 

هذا هو حال البشر نعيش في صناديق مغلقه , متذبذبين بين ما يجب علينا فعله ومالا يجب , و كانما الحياة سجنٌ يفرض عليك ما تشعر به , تلك الحرية نحن ناقصين منها , وربما لا نعلم بالنقص هذا أيضا مكملين الظن بأننا سنجد اشياء عدة ومختلفة وربما وجدنا سعادتنا بها ,تلك ظنون خاطئة حقا, فقط حين نعلم بأننا نحن من ندير الامر بأكمله ,وأننا نحن نقرر ما نشعر , حينها سنتحكم بالحياة ونجد الراحة فيما نفعل , فقط حين نقتنع .

 

لا زال الامر مثيرا للإعجاب لاحتفاظه بخاصية المفاجاه , فمن الممل ان تملك حياتا مخطط لها بالكامل , ان تخطط كيف تفعل اي شي , مملٌ , مملٌ للغاية ! . هذا جزء من اقتناعي بان نظريتي ليست صحيحة تماما , ربما يجدر بي ان اشعر بالحزن فالحين ذاته و بالدهشة او الغضب او اي كان نوع المشاعر في حينها,ربما يجدر علي في المقام الاول ان اشعر,حينها ربما اكون طبيعيا كباقي البشر !
يخطر لي الهروب احيانا من واقعي بأكلمه , لكنني لا اريد الهروب لمجرد أنني لا افهم ما انا به , هل هناك طرق لوصف ما اشعر به ؟ . لم تمر بي السنوات جافة الطعم والإحساس , حتى خلت نفسي اكرر الشيء ذاته كل يوم , بالرغم من محاولاتي للتنويع بين نشاطاتي المختلفة . اخاف لوعة الفراق , حتى الفراقات الصغيره .

 

كان مما رايت ما جعل صديقي معتز يخر باكيا امامي ذات يوم , جعلني اخشى الفراق كثيرا ولكن شي فيه المعاناة يجذبني , شي في تلك المشاعر وذاك الالم , بالرغم منها فأنها جميله حقا , تلك المعاناة و التضحيات التي يقدمها المحبون لبعضهم , تُثبت الانسانية المغروسة في دواخلنا , ناهيك عن انها تُضفي طعماً للحياة الجافة , وتجعل ما في الحياة ذا معنى . لا اعلم كيف هم الاناث حقا , فلم اختلي بهن يوما و انما كونت صورة في داخلي عن صديقتي الصغيره , هي فقط الفتاه الوحيدة التي دخلت حياتي وحقيقة كنت انا من سمح لها ,وليس انها دخلت بالطرق المعهودة كالتي نرى اليوم وغدا في مجتمعنا, بل دخلت الى روحي بلذتها حين كنا صغارا, هي وشعرها الطويل , كنت اتاملها احيانا ولا اعلم لماذا , انما هو شيء في داخلي يضطرني الى ذالك , الى مشاهدة كيف تبني بالرمل او تلعب بالكرات هي وأطفال اخرون او حتى كيف تخط رسماتها بالالوان الشمعيه, مر علي من الزمن ما جعلني لا ابحث حقا عن فتيات اخريات , ولم افعل ما يفعله رفاقي من التنويع بينهن , انا فتى واحد لفتاة واحده , لطالما شعر اصدقائي باختلافي عنهم من هذه الناحية , ولا اشكو خطبا في ذالك! . احببت انعزالي والاستمتاع بما هو اكثر جمالا من امور سطحية كان يلهو بها البعض , واعتقادي بان هنالك في الحياة ما هو اجمل مما نستطيع رؤيته . انا لا ارى داع فيما يفعلونه ولا هدف في ذالك حقا , بل ان سالت احدهم لم يفعل ما يفعله لأجاب بعدم علمه , وان سألتهم بما يفكرون في اي من فترات اليوم لاجابو بعدم علمهم ايضا , عجيب امرهم , ألا يعلمون ما يفكرون فيه ! , ولا أي شيء بعيدا عن الكذب , أو هل اعلم انا شيئا !
الساعة الخامسة عصراً , أرتشف من قهوتي , و اتامل ماضٍ أحاول كتابته بالشكل الصحيح , ولكي لا اكون ممن يمر عليهم الزمن وينتهي ولا يعلم احدٌ بوجودهم حتى .يدفعني وضعي الى السؤال , و يرغمني الوقت على التفكير في ماذا ان كانت الاجوبة التي ابحث عنها لا يفترض بي معرفتها , او ان اكون منسيا بالإضافة الى عدم ايجادي ما كرست نفسي باحثا عنه , اني اختنق تساؤلا احيانا , هل انتهى الحب من مجتمعنا , فطغت تلك المشاعر الاخرى لتحل محله , وأصبحنا عُمياً لكي لا نرى , ولا نعلم , ما الخطب في رغبتنا ان نكون محبوبين وغير ذالك . أنا لا اراه امرا يشكو من شي , ولكنني في مجتمع لا يعترف بثلجيته التي حلت به على الرغم من صيفه الدائم ,بل لا يعترف وان تلبّس بالبرودة , فليتجمدوا يئسا بما حل بهم , ولن يتكلم احد عن ذالك حتى , ستكون احد مشاكل المجتمع العالقة بين القيم والعادات والتقاليد , سيكون مشكلة عالقة فقط , و سنكون نحن احد المشاكل ألعالقة دون الاخذ بان ديننا قد حثنا على المحبة , وجمّل الحب ولم ينقصه جمالا عن ما هو حقا , تلك امور نتغافل نحن عنها فقط , فربما أرجع السبب لاننا نخاف التغيير . ضميري يعلمُ بأن شكواه قد قُضيت , و يحثني على أن الا اقول شيئا أنا الاخر , ماذا ان المني ردهم .. , مالي أنا فيهم , دعني اكتب عن ذالك غاضً نضري عن جروحنا المفتوحة في بلد يتغاض عن كنزات الصوف,خشية العار والعيب !

 

مالذي يحدد قدر غرابتنا ان كنا نحن من نحدد ماهية العيب والحرام ونعلم هذا حق المعرفه ,وبالرغم من ذالك ,نستعمل قياسات قرون مسبقة بدلا عن قياساتنا , نحن نرفض التخلي عن ان نرتدي ثياب افكارهم , ابائنا وأجدادنا وعاداتهم منذ قرون عدة , انا لا اشكو منها ولكنني ارفض التعلق بها الا هذا الحد , و ما صلح في قرون مسبقة ليس بالضرورة ان يلائم عصرنا الحالي , وكأنني أرفض لعقلي ان يتوسع بالتجارب وخبرات الحياة ,لم اخلق بلا ملجئ و لا عقل اخلو به حين احتاج التفكير , لم نخلق بلا عقل , حيث نفعل ما يفعلون و نرتدي تقاليدهم ونرفض التخلي عن ذالك , عجيب امرنا !

 

حين وصلت الى الثانوية في اول سنواتها الثلاث ,وبدأت اتخذ طريقي وهكذا ايضا غريزتي ورغباتي و أحلامي , حين بدأت ادرك ما انا حقا وما انا فاعله ,و ربما حين بدأت ادرك وجودي وأفعالي حين اكررها , اخبرني معتز في احدى الحصص لم لا اذهب معهم للترويح قليلا,كان يوم احد هو يومها ,وبعد فترة من التحضر لذلك ذهبنا عصراً , تحججت بان لا اكون عبئا ثقيلا عليهم ولكنه اجاب بالنفي وأرادني لكي ائتي معهم , و ذهبنا الى البحر ,كان الجمال في اسخف الاشياء حاضرا ,لطالما اشعرني البحر بذالك , ارتاح عنده جدا وليس لأنني اخبره عن همومي , بل انني اخجل ان احادث نفسي امامه , فيعلم ما اشعر به ويخبره للرياح دون الحاجه ان انطق بكلماتي عابثا من اجل ان اصف حالي وماهية شعوري في ذلك الوقت ,لأتذكره كل يوم ائتي به الى هنا , كنت اقف وحيدا بعيدا عنهم لأختلي بنفسي قليلا في هدوء الصباح , حين رأيت فتاة صغيره ,لم ارد الوقوف طويلا كي لا تظن بأنني احدق اليها , كانت تكتب شيئا ما على رمل الشاطىء, اعتقد بأنها لم تأبه حقا باتساخ يديها به , انه لجميل ان تفعل ذالك ولا تهتم بما يظنه اخرون , تذكرت صديقتي الصغيرة , ما هي احتمالات ان تكون هذه هي , لا هذا غير ممكن فقد انتقلت من حينا منذ السنة الاخيرة في المتوسطة حين بدأت ان تحتجب عني .

 

منذ ان بدا جمالها يفيض و يظهر باديا كأشعة الشمس , بدأت تحتجب لكي لا يراها احد,بل لكي لا انساها انا ولأعتاد على عدم استطاعتي على النسيان , ولا اعلم لماذا,كانت احدى طرق والدها لنكف عن اللعب معا ,اشتقت الى رؤيتها ترحل الى مدرستها في كل يوم لا اعلم لم خطرت في بالي في تلك الدقيقه , وحين هممت بالذهاب اليهم رأيت طفلا اصغر منها يناديها ملاك .. ملاك فتنتبه هي اليه ليذهب ويجلس معها ويلعبان بالرمل,اسمها كان مشابها لصديقتي الصغيره .. ذهبت الى اصدقائي بعد اشتريت ما يروح عن ظمئي وجلست معهم .
حتى وان كنت لا تسمعينني ولا تعلمين بي , اني اشتاقك حقا , الى رؤيتك تلمين شعرك للوراء وتكملين اللعب او الكتابة , اشتقت الى روح نقية لترافقني منذ زمن , اشتقت الى ارواح الانقياء , وان كان فنائهم يكون احد مشاكل البقاء , فليمت الباقون ويبقى الانقياء , فليمت الباقون وتبقين انتي ,لا اعلم ان كنت تسمعينني او تعلمين بي ,وان كنت اجهل ذالك فأنني ما زلت اشعره ,اترى مازلت تذكرينني , صديقتي الصغيره ,ربما كانت هي السبب في انني لم انظر الى النساء مطلقا ,فقد رأيت النساء جميعهم , رايتهم فيها , حين كبرنا لطالما كنت لا استطيع النوم في الليل , فأذهب الى نافذتها عند بيتهم المجاور , ارميها بحصوات صغيرة الى حين ان تنتبه وتفتحها بهدوء وأقول لها : ستلعبين معي غدا ؟, لتجيبني بصوت مرتخ يغلبه النعاس : اين ؟ لأجيب : بما اننا لا نستطيع اللعب في الليل فلنذهب , حيث لا ينتهي الصباح مطلقا , ونكون حرين لنكون ما نكونه , فتجيب باستغراب : نكون ماذا ؟! , لأجيب : نكون سوية .. كان ذالك احد احاديث الليل التي كنا نتحادثها احيانا وسرا دون ان يعلم احد او يسمع بنا ,احد الاحاديث التي تنتهي بإغلاقها للنافذة خشية من تأخر الوقت وعلم ابيها خاصة بعد ان بدأت تحتجب , و على ايامها كنت اعود البيت و كان علي ان اقفز من على سورنا لكي لا اوقظ احداً , فوالدي نائم في ساعة متأخرة كهذه , ولكني اشك بأن والدي كان يعلم , او أنه كان يتظاهر بالنوم , ولكنني اعود سعيدا غير مبال بأي شي , كانت صديقتي الصغيره ملجئ  همومي ومن يفهم روحي ويترجمها للآخرين , بل ان معتز نفسه لم يكن ليفعل ما تفعله ,انها تفهمني جيدا , و قلة مما كنا نختلف عليه منذ حادثة القبعه , اعتقد بأنني كنت احبها ومازلت احبها ,صديقتي الصغيره و حبيبتي وأمي والنساء اجمعين!








 

(4) عني

 

الحب عند الرجل مرض خطير ، وعند المرأة فضيلة كبرى
"
أنيس منصور"

 


اسمي فارس بندر الشريف .. بكالوريوس علوم ادارية و مجالاتي التي اتقنها موجودة لديك بالملف و ان شاء الله اكون عند حسن ظنكم , توتر و لحظات تردف اخرى , تلك اولى مقابلاتي للبحث على عمل بعد الجامعه , وبسمعة شركة والدي تمكنت من نيلها بسهولة , لم اعلم حقا ان كنت اريد ان اعمل مثله ام لا , بل لم اعلم ان كنت افضل هذا الاختصاص ام لا , لكني رضيت به على اي حال , لطالما كنت احب علم النفس و اللغات , اعتقد اني اهتم بما يقارب الروح البشرية اكثر منه للماديات , بينما ذهب معتز ليصبح طبيبا , اتبعت انا خطى والدي , هكذا معتز دائما , في طبيعته محب للإصلاح و البدء من جديد , انظر الى عينيه فأجد املا كبيرا , لا شيء يختلف عن طبيعته , بينما انا كنت انظر الى معاني الامور و المواقف بقي هو يفكر في كيفية اصلاحها , مثلما جرحت عندما كنت صغيرا , لم ابك بل ضللت انظر الى نفسي و اتسائل ما الذي يحدث , ليأتي هو ويضمد لي جرحي بمناديل يخرجها من حقيبته , حقا هو كالضمادة في كل تصرفاته, وكل من عرفه لظن ان بروحه اشراقا يواري شمس دنيانا , لم يحب سوى مرة واحده , و خالفت هي اعتقاداته في الزواج بخيانتها له , لم يكن معه غيري يومها , واعتكف حينها عن النساء , تركته هي ولم تبادله ما شعر به , من كان ليعلم ان صديقي بإمكانه البكاء هكذا , صديقي من كان يربت على ظهري دائما ويخبرني ان لا شيء يستحق الحزن عليه ,بالرغم من انه حاول اخباري حينها انها ليست السبب , بل نفسه هو الذي صدق وامن بها,انها باقية لأجله , لكنها رحلت كما رحل الباقون , صديقي ذو الابتسامة المشرقه ,بكى من قلبه حينها , ومازلت اكتب عن ذلك !

 

كاذبة هي اللحظات , حين تسمعنا احاديث لم يجدر بنا سماعها , ونعرف اشخاص لم يجدر بنا معرفتهم , كاذبة هي ادعاءات ابي بعدم حزنه وادعاءاتي بتصديقي له , ابي لم يعد يتحدث كسابق عهده ,بل ان ابي لم يعد مطلقا , اتراه يتذكرها حين يراني , ام انني لا اكف سؤالا عن وقت مجيئها , وعن الفترة المتبقية حتى ترضى بالقدوم , لم امل انتظارها , و انني ان فعلت امرا سيئا بحق نفسي ستسقط دموعها من السماء معلنة بذالك, دمعُ يدعى المطر !

 


تمر الايام و انا افكر بصديقتي الصغيره , منذ ان كبرت وانتقلت من حارتنا لم اعد اسمع عنها او اعرف اخبارها , يبدأ يوم لينتهي بأخر ومازلت متململا لا اعلم ماذا افعل سوى انني اخرج احيانا مع صديقي لأروح عن نفسي مؤقتا وأعود ازفر الكئابة ذاتها . مملة هي تلك الايام , بروتينها المعتاد ودونها , دون ملاك .. اعتقد بأنني لم اجد الهروب كثيرا , ولم اعلم ماهيته , ولا كيف اهرب , دائما ما اعود الى مواجهة واقعي ذاته مرغما على ان اعيش مالا يجب ان اعيشه , اقاوم كثيرا لأعيش كما المفترض بي فعله , اقاوم من اجل ابي ومن اجلي ومن اجل معتز ولأجلها , اقاوم لان علي هذا , بينما يحق للآخرين البكاء علانية ان ارادوا , او بأحضان احدهم , انا لا ابكي الا بزاوية ما في ظلام حالك , بالرغم من هذا , افضل الكتابة على ان ابكي , لذا ما زلت اكتب عن ذلك !
بعض الاشياء نعلم اننا سنتخلى عنها بعد فترة , ربما تململا او ان مشاعرنا قد نفدت ناحيتها , اعني بذالك انتهاء مشاعرك نحوها او شعورك بعدم وجودها مطلقاً تحت عنوان الفجأة , بعض الاشياء .. تجبرك على الاهتمام بها , مثل النبتة وان لم تعجبك سقيتها مرغما من قبل ضميرك , مع انه من الممكن الا يؤنبك فترحل على اية حال , لكنك غالبا تفضل الا تكون سببا في ذبولها ,بعض الاشياء نعلم تحديدا مدى بقائها معنا , ومع هذا نتشبث بها غير عالمين لم نفعل مانفعله , خطوات تجر اخرى نحو هلاك نعلمه , هلاك له لذته الخاصة به ,وموسيقاه الخاصة, بعض الاشياء تقوم مقام المخزن او الغرفة المغلقه , وأن حاولت فتحها لفوجئت بمقدار الذكريات المترسخة فيها , لما استطاعت مشاعرك التعامل معها ربما , وتغفل جهد النسيان في جهة لتعيدنا الى شعور قديم او ذكرى بعيده , بعض الاشياء هي تلك ما لا ننساه فقط لأننا نود نسيانه , فتتشبث هي بنا وتصبح لنا اعينً لا نرى إلا بها ولا على الرؤية من غيرها ,حتى نصبح ما نحن عليه , تغافلنا لتصبح جزءً يوميا من حياتنا وان لم نردها ان تكون في المقام الاول, فنعتاد عليها وعلى وجودها بذات الملل والرتابة ,بعضها و ان كانت من اجمل ما نرى , نكون مرغمين على تأملها بصمت غير قادرين على امتلاكها كالنجوم بعيده ولا يمكن الاقتراب منها , بل انها قد تفقد بريقا ان قربت اكثر مما هي عليه, تخلق جمالا وزينة ببعدها , و لربما ان كانت قريبة لتلف ذلك , هي زينة مجردة من جماليات الواقع, هي مجرد جمال لا اكثر , كبعض الاشياء .

 

(5) و مالي و مالهم

 

الغائبون دائما على خطأ " مثل فرنسي "

 

اوراقي متململة اكاد اسمعها تصدر تأففا من خربشاتي المتكررة عن ماض لا يفقه شيئا ً في ثقافة الغياب ,منذ ساعات الصباح المبكرة و انا اشرح حنثي بوعود سابقة اقمتها تجاه نفسي و سبب برودة قهوتي , اود لو اصف بأن بعض الاشخاص حب طاهر , يصدح كعناوين يوم جديد , بالأحرى كعالم اهترئ كل ما فيه ليضل هو باقيا , حتى يستطيع البشر الاستمرار , و يعمل على تحفيزهم و دفعهم الى الامام او لأكمال امور بسيطه كان عليهم فعلها في المقام الاول , لا تخلو اسمى المعاني من حالات مشابهه , كما اتذكرها .. هم اشخاص استوطنوا قلوباً وان كان عبورهم قد حفر وجودا و ذكرى خلابة في قلوب من عاشوا معهم , هم عابرين الا بذكراهم , لا اعني بذالك وردية ايامي سواء بوجودهم ام لا , ولكنني اقدر لهم حقا تواجدهم في احيان , وغيابهم في اخرى ! نعم ..انا شاكر للغياب , فقد علمني ما لم يستطع الوجود تعليمه و ايصاله لذاكرتي بالطريقة التي اودها , ولكنه كان اكثر ترسيخا لمفاهيم الحياة التي كان من المفترض ان اكون عالما بها مسبقا , والتي حتى وان علمتها لم اكن لاستوعبها حقا ان علمتها بطريقة اخرى غير هذه . صفعات متكررة و خيبات امل قد تكون كافية لتجعلني قانعا بما انا عليه , و بعض الالم ينسي ألاماً اخرى احيانا ,كما ان بعضه .. يعطينا الدافع لنبدأ من جديد , ونعاين ما كنا غير مبصرين به جيدا , لنرى ما يجب ان نرى على حقيقته ,و لهذا افسر ان الانسان لا يشعر حقا بجدوى الحياة دونه ويتعمد اشخاص الشعور به لاعتقادهم انه يعبر عن صدق المشاعر, فبعضهم يتألمون .. لشعور بالذنب او لأن في اعتقادهم انه سيجعلهم يستحقون الشعور بالسعادة , وان كان بعضهم مجحفاً في حق ذاته , فيرى انه لا يستحق أي نوع من السعادة أي كان , و يذم وجوده و حياته , تعبيرا عن وجوده فعلا , ذنوب صغيرة هي احيانا ما يشعرنا بالألم , ولكن ليس لأننا كنا قاصدين ان نقترفها بل لان ضميرنا هو من شعر بالذنب , وضعفه تجاه اقدار كتبت له, و اخرى اختارها كي يتجنب اقساها , ضعيف هو الانسان , ما ان يختلي بذاته بعيدا عن الاخرين, حتى يبدآ ضميره في معاقبته هو الاخر .

 

لكم تمنيت لو انني اختلع مشاعري من جذورها, ولكنني لم اكن لأكون ما انا عليه اليوم ,انا اعلم ذالك حق المعرفه ولكنني اجهل فائدته احيانا ,بعض الالم , خلق ليجعل فينا ادراكا نحن فاقدينه لولاه , وبعضه خلق لنعلم ان هناك من يتألم اكثر منا , حقا عجيب امره , وكل ما يحدث انما حدث لنقتنع !

 

انفث سيجارتي مفكرا ان الحياة كلها ما هي الا التراجيديا ذاتها مواقف متتابعة تعزف النهاية نفسها ,مساكين اولئك من عجزوا عن فهمها , يظن البعض ان الحياة ما خلقت إلا لتيئسه و تخلق في داخله العجز و بأي طريقة لكنني اخالفه رأيا و عاطفة لأنني ارى ان بالحياة اكثر من ذالك حقا , تختلف صور الحياة من منطلقات الاشخاص وان كانت على حد علمي تحمل العنوان ذاته . لطالما امتلكت ولو زهرة بيضاء واحدة على الاقل تسكن احد المزهريات في منزلي ,كأنني املك نقاء احمله معي اينما ذهبت ,جميلة هي الورود .. تعيش بهدوء وتذبل بهدوء, لا صخب في ما تفعله, فقط تشع جمالا اينما كانت و ترحل , فكأنها تبث كل ما تستطيعه من جمال ثم تنتهي , تشع عطاء الى ان تنتهي . بينما اتعجب انا كيف ان الذبول جميل , اعتقد بأنه يصف الحرية المطلقة في حين انها تذبل غير مبالية بأحد مطلقا , من منا يستطيع الرحيل دون ان يبالي بأحد او شيء ما , ارجح الكفة الان الى اننا نشترك جميعا في شيء ما , و أن صفات البشر في الغالب ليست حقيقية , و الا لكنا مختلفين ,ولكننا نتعايش صفاتنا من اناس اخرين ,مهما ضؤلت اهميتهم او علت , و انني لأتعجب اكثر من اشخاص اصبحوا اخرين عن انفسهم تماما , لا بأس في اكتساب صفات من احدهم ولكن ان تصبحه و تكونه هو تماما هذا ما صعب علي فهمه , كحال العاشق حال عشقه , تجده لو أنه استطاع لتنفس بطريقة التنفس ذاتها التي يتنفس بها الشخص الذي يحبه ,و كأنما يريد ان يحتفظ به لكن على حساب نفسه , فترحل ابتسامة كان يملكها وروح تميزه عن باقي الاشخاص ليحل محلها شخص اخر او نسخة اخرى , لا تشرح وجوده بالطريقة المفترض فعلها, نخسر معاركا نحن خضناها احيانا لنثبت لأنفسنا انه بالإمكان خوض اخرى دون الخسارة فيها , وتبقى نتيجة تلك الحرب معلقة الى حين العودة الى انفسنا ,الى ما كناه في البداية , و نغرد امنية ان لو واجهنا ما كان يجب ان نواجهه منذ البداية , لكي لا يغافلنا حزن و حلم لا نصحوا منه إلا متأخرين و نكتشف ان ما حلمنا به كان لا شيء سوى انفسنا الاولى !

 


(6)






 

في عينيها بحر !!

 

و حالي لو اشوفها يضيع مني الكلام

 

تشرح لي في همسها سري والسهر

 

واشرح في شواطئ فمها عذب الكلام

 

هي" احبها حقيقة ما منها مفر

 

و هي حبها تاه فيني و نام

 

لو افسر معالم خدها مات الورد من القهر

 

ولو بخصرها تمايلت ضاعت حروفي هيام

 

وين اروح من قلبي من دونها مكفهر

 

و يخاف فكري الناس و الازدحام ..

 

اعشق روحها بس الصمت فيني منتشر

 

لا جيت افكر بها تمنيت تذكرني و السلام ..


***

لا اظن انني اضع بعض الاشياء في مسارها الصحيح احيانا , ولا اصف مشاعري كما ينبغي , بالرغم من انني اكتب عما ينبع و يكمن في كينونتي , احاول توثيق مراحل مرت في حياتي الى هذه اللحظة ,ولا اعلم اذا ما كانت هي ما تتشبث بي , لا اجد بانني انفك عنها ولا لدقائق معدودة ,كانني اعيش في الماضي سائحا بين عوالمه , و كأن ما يكونني هو ذلك الزمان فقط , تمر الاعياد واحدة تلو اخرى متسائلا عما اذا كان هناك هدف ما علي اجتيازه , او حقيقة يجدر بي معرفتها , ازعم انني قضيت سنواتي العدة تلك باحثا عنها بعد ان نقلوا من حارتنا ,تحسباً اذ كنا لا نكف ان نرى بعضنا بين الحين والأخر , لم اعلم حينها انني كنت احبها و كنت لا اكاد افوق حتى تعبر خيالاتي و ذاكرتي , ذاتها هي المعنى لوجودي ,قالت لي يومً اننا ربما لن نلعب سوية مجددا , لم اكن افهم ما قصدته حينها ولكنني اكملت اللعب, اعلم انني سأحقق قربها ذات يوم , ربما في حياة اخرى , لأنني للأسف .. مازلت اكتب عن ذالك !
انتهي من اعمالي اليوميه في كل يوم لأتي و اكتب قليلا عما في داخلي , صانعا بذالك شخصا كي احادثه , و لان حياتي تحمل طابع الفراغ في طياتها , و لأرد روحي بين الحين والأخر , حيث انني اتي مجهدا من العمل حتى استريح قليلا , ثم اقلب التلفاز باحثا عن لا شيء لأشاهده و يضيع به وقتي , و اعود الى هنا مجددا , اشعر بان ما احمله تجاهها كبير و يثقل على كاهلي , انني اعتب على الانتظار وتبعاته . ولطالما كنت شحيح الصبر , ولم اكن لأستطيع الصبر اكثر من خمس دقائق , ولا اطيق ذالك مطلقاً , بالرغم من ان حياتي تحمل الكثير مما يتوجب على انتظاره , فاشغل نفسي او اتناسى ذلك شريطة عدم وعيي لانتظاري و إلا اصابني المرض , واغدو متململا و راميا افقا كبير كان بمقدمتي للوراء .

 

منذ ان عملت في الشركة و نقلت الى شقتي الجديدة , او بالأصح الى بيتنا القديم , تاركا خلفي حياةً ملئى بمختلف الاحداث باحثا عن استقلاليتي , لم يمانع والدي ذالك , حيث ان والديه اتيا ليشغلا مساحة تركتها انا فارغة في حياة والدي ,محتفظا بصندوق صغير في زاوية مكتبتي, حين فتحته اليوم اثارني قدم الاشياء التي بداخله , وجدت رسوماتنا انا و هي , حين تحديتها ان ترسمني بالألوان الشمعية , كنا صغارا حينها فكان لابد من بعض الاخطاء ,لكنها رسمت رسما مشابهاً لي لحد كبير ,ورسمتها انا ايضا على ورقة اخرى , حاولت ان ارسم ادق تفاصيلها حتى لا تقّول انني لم اجد ذالك ,رسمت عيناها العسليتين و شعرها الطويل و كنزتها الورديه التي ادمنت رؤيتها , دائما ما كانت تشعر بالبرد سريعا ,وهذا ما جعلها تلبسها دائما .

 

لطالما اعتقدت ان السيارات تعكس اصحابها كذلك الاجساد تعكس افكارهم , و غالبا ماكانت نظريتي تصح , طرق تعاملهم مع الازدحام تختلف من شخص الى اخر , و قليل من يستغل ذلك الزحام في مصلحته الشخصيه ,و يستفيد من باقي يومه بشكل جيد , بدلا عن ان يفعل ما يفعله البعض في الانغماس في التفاهات , نعكس تجاربنا جميعها , في ابسط تعاملاتنا اليوميه , و من السهل معرفة شخص من طريقة امساكه بكوب قهوته مثلا او حتى للقلم , بات كل شيئ سهل معرفته و الوصول اليه , و يعتمد ذلك على قدرت الملاحظة المتفاوته بين الاشخاص ,ولاننا جميعا نختلف , في مقدار خوفنا من اشياء معينه , او حبنا لها , او حتى قدرتها على التاثير الاقصى بنا, و نكمل نحن تلك الحواجز المختلفه على حسب الشعور الذي يتملكنا , منا من يعلم بقدرته على تخطي الالم , و يعلم كيفية ذلك , و هنا يكمن دور الحياه في تحديد ما يحمل الافضلية لحدوثه , ما يمثل انكسارا حتى يجبر ,وما تسمى جروحا حتى تشفى ,يعمل القدر بطرقه جميعها حتى نصل الى الراحه التي نبحث عنها دون ان نعلم بذلك , و نحن و لسذاجتنا لم نفهم هذا بعد , ولربما يعتقد البعض انه بسبب ذنوب اقترفت او اثام فعلت حدث ما حدث لهم , هذا غير صحيح , انما حدث حتى يصلوا الى ما المفترض عليهم الوصول اليه , الى حالة من الراحه و الاطمئنان , و من الغباء ان يقاتل احدهم مصائبهم , لعدم علمه بفائدتها له , ان كان ضعيفا ليقوى وان كان قويا ليعتدل , تلك احدى الحكم المخفيه ,التي و ان تعمق احدهم في فهمها , لعاش حياته دون ان يبالي بشيء , مقتنعا بفنائه و فناء ما يحزنه .

 

(7) ليل .

 

يقول الرجل في المرأة مايشاء وتفعل المرأة بالرجل ماتشاء " سيدني "

 

في تعريف الفقد , ظلم و فراق و انتهاء , وارواحُ ولدت دموعاً اعدها الزمن دون حسبان و بعضها عدمه افضل من حدوثه , ليقاتل من ابتلوا بالفقد دفاعا عن قلوبهم , ضد الرحيل و اشباهه , غريب ان يتجسد الرحيل باشخاص بعينهم , الى ان يضربوا امثلة له , و من نحن لنضرب امثلة لا داعي لها , بل من نحن حتى نقتحم اموراً محرمُ الحديث عنها والا هطلت عليك و اصابتك لعناتهم , و صب جام غضب القدر عليك , لم لا استطيع الادراك بانتهاء امور انتهت منذ زمن مضى , و اذهب لافتح حصالتي و ارمي ما بها , و افتح قلبي لاغسله من اوهام لم يجدر به توهمها, او حتى امنيات لم تكن له في المقام الاول ليتمناها ,تلك حياتي امضي بها هائما هنا و هناك و ان و جدت بيتاً ليئوي افكاري حتى يحتفل عقلي ببقائه فارغاً للمره الاولى , في تعريف الفقد ومضات من مستقبل تجد فيه ذاتك وحيدا باشخاص يحيطون بك ,تحادثهم و تعيش معهم , ولا تعرف عنهم شيئاً , منشغلاً بروحك القديمه حين رحلت , و تعاسات تعيشها في كل يوم تستقيظ فيه على سريرك , لتغلق ستار النافذه و تكمل نومك تحت بطانيتك , متغاضيا عن كثير من التغييرات التي انت قادرُ عليها , كثيرون من يعتادونه , دون حوافز لتغير مابهم او حتى رغبتهم في التغيير ,كانوا قد اعدوا هذا المستقبل بانفسهم , بعض الفقد المفاجىء لا يتيح لك الفرصه حتى لتفكر بان تتغير , و بعض الفقد حدث حتى تعلم بالقدرة الكامنه والقوة التي بداخلك ,التي تجعلك تتحمل سوء حالك , و تساعد نفسك على البدء من جديد , طاقة لم تكن لتعلم بوجودها في المقام الاول , تساعدك احيانا في اخفاء مالا يجب على غيرك معرفته , و على بناء الحاجز الغير مرئي بينك و بين الاخرين , حتى لا يروا حقيقة مابداخلك , و يبقى ذلك غير معلوماً في تفسير الفقد , للاختلاف المزيف بين الاشخاص, الذي سبق و تكلمت عنه .

 

اكره الاخطاء , ومما يتضمن ذلك الاخطاء الاملائية او الحياتية على حد سواء ,كما اكره الصبر ايضا , على الرغم من وصف الحكماء له بانه كنز وما الى ذلك , الا انني لا اطيقه , ولا احب الفراغ هو الاخر ,ابحث عن اي كان لاشغل نفسي به , و اكره ايضا ان تمر سنيني دون ان انجز شيئا , و كأن انجازي يكمل شيئاً لا ينفك يتناقص على مدى الايام, ليعيده الى مساره الصحيح ,وصلت الى سن يفترض بي ان اتزوج كما يقول والدي ,يشتاق لرؤية اطفال يشغلونه ليلاعبهم في شيخوخته , توفت ام والدي قريبا , و ذهبنا سويا مع جدي لدفنها , لم اره يبكي , بل غزى الصمت ملامحه بطرق لم اعهدها , و رحنا نغوص في تفاصيل العزاء مجددا, وكان والدي يتوق لفرح يلون معالم عالمه مجددا, لم يطلبني مباشرة انما لم يتوقف عن التلميح بانه يريد ذلك , اعلم والدي واعلم ما بنفسه , وقفت في صراع مع ذاتي ماذا افعل الان , ااتركها خلفي و انسى كل ماكان يربطني بها , من اجل امراة لا احمل لها اقل تفاصيل الحب , كان ابي يرجح ابنة خالي,لكنني اراها دميمة ولا اطيقها ,لطالما ادرجنا تحت مسمى ال " ناقر ونقير" , و لكن ابي يقول انها كبرت الان وتغيرت غالبا , لا يهمني , ربما يجب علي ان ابحث عن ملاكي سريعا قبل ان يفعل ابي مانندم عليه كلانا ,حتى وان اضطرني ذلك ان ابحث انحاء جدة جميعها , اتكىء على طاولتي المعهوده , لا يعيبني شيء, انا الان املك وظيفتي و املك بيتاً و عمري قد بلغ الخامسة و العشرين ,قبل قليل رجعت من الشركة وانا متعب جسديا ومعنويا ,معتز قادم الي بعد قليل لنخرج معا , لم يصرح لي اين نحن ذاهبين ولكن اينما كان فهو جيد , احتاج ان اصفي افكاري قليلا , لم اعزف موسيقاي بنفسي و اخرون تعزف الموسيقى لهم , ان عزفتها انا تكللها حزني و اشتياقي وان الاشتياق في حالتي لاثم عظيم ,اعاقب به قلبي المسكين الذي ما استهان يوما في ان يجدها , لم كان على ابيها ان يفعل ما فعله , و لكنه بديهيا كان ليفعل ذلك درءاً لاي عواقب محتمل حدوثها , كاي اب شرقي يغار على اهله و يخاف عليهم , تنئى به شرقيته حتى و أن حلل الدين ما حلل , لم يكن ليجدي على اي حال . لم انوي سوءا بها , انما المني فراقها ,يالليل !.. اني لا انفك كتابة عن ذلك .

 

(8) عادَت

 

لابد احيانا من الصمت ليسمعنا الاخرون " جلاسكو "

 

اتى معتز يوما بعد نصف ساعة او اكثر جالبا معه صديقً يدعى وائل , لسنا مقربين جدا انما اعرفه بحكم انه معي بالشركة ذاتها , انما ترقيت انا قبله , كان وائل قصيمياً متزوجا , و لكنه كالبقية يخرج مع اصدقائه و ليس له الا طفلة صغيره واحده , ربما كانت تبلغ سنه او اقل او اكثر , ركبت بالخلف و ذهبنا الى البحر , ذهبنا الى المكان نفسه كالعادة , بقيا هما يتحدثان بينما قمت انا اتمشى كما افعل دائما,عندما عدت سألتهم ان كانوا قد جائعين ام لا , اتاني الرد بالإيجاب فذهبت لأحضر لنا شيئا نأكله , كما انني اردت ان تسنح لي الفرصه كي استرخي قليلا , مستمعاً للموسيقى الهادئة في السيارة , وحين وصلت الى الاشارة , وقفت منتظرا في شارع مليء بالأسواق على يمناي و يساري , امسكت هاتفي لأرى ان كان وصلني شيء ما و ما ان رفعت راسي حتى ارى فتاتان تمشيان تقطعان الشارع حتى تصلا الى رصيف المشاة , احداهما كانت كاشفة عن وجهها , لكن ملامحها لم تكن غريبة علي , لبست نظارتي لاتاكد , إلا انها لم تكن غريبة علي حقا , اخذت المنحنى بجانبي و ركنت سيارتي , خلت لثانية اني اضعتهما إلا انني حمداً لله لم افعل , مشيت ورائهما حتى تسنح لي الفرصة لاتاكد ان كانت هي ام لا , قلبي ينبض بسرعة و حرارة شديدين , خائف مما قد يحدث , دخلتا الى السوق و دخلت انا ايضا , بعد جهد لم ينتبه فيه حارس الامن , و توعدات بأن لا اطيل البقاء , انتظرت حتى جلست هي على الكرسي و ذهبت الفتاة الاخرى لتجلب شيئا ثم تعود , ذهبت اليها و يداي ترتجفان وأتحرق شوقا للإجابة , ماذا افعل الان , اقدام خطوتي وأرجعها للخلف , ماذا ان لم تعرفني , او لم تكن هي او اعتقدت ان ما قدمت اليه كان سببه ارادتي بالتحرش فيها او ما شابه ,في مجتمعي لا يخلو الهواء من ظنون كهذه .

 

ما ان اقتربت منها حتى رأيت رجلا في اواخر الاربعين يأتيها و تأتي تلك الفتاة التي كانت معها ايضا , الرجل كان جارنا القديم , اختبئت حتى لا يعرفني ,و تبعتهم الى سيارتهم حتى لا تضيع مني بعد بحث مطول , و لحسن حظي كانت سيارتهم قريبة من سيارتي, و لذا تمكنت من اللحاق بهم دون اثارة شكوك احد , يالسعادتي ..وجدتها اخيرا ,وبعد الكثير من الصبر الذي لا اطيقه و ضقت ذرعا به , و صلوا الى بيتهم بعد ان اوصلو الفتاة الاخرى , و رحلت الى معتز ووائل الذين ملوا انتظاري وحانقين على اسباب تأخري ,بينما انا ابتسامتي" تشق الوجه " وهما مستغربين من ذلك, انتهى بنا الامر ان طلبنا طعامً و اتوا الى شقتي حتى ساعة متأخرة ثم ارحلوا بعد عاثوا في الغرفة فساداً , و اصبحت الساعة الرابعة فجرا حين رحلوا اخيرا لأذهب انا و ارمي بنفسي على الفراش من الفرح والتوقعات تكاد تفجر راسي , انما كان يساورني فرح وقلق في الوقت ذاته , انكببت انظر الى السقف وأحملق في جدران افكاري الى ان نمت , الصبر يجدي نفعاً .

 

"""""""""""

 

(9)

 

الحب تجربة حية لا يعانيها إلا من يعيشها" سيمون دي "

 

كم اود لو استطيع تمزيق الواقع والفرضيات, و انتهي من جدلي مع نفسي القائم في كل صباح وحتى اخمد الى النوم مجددا, اود لو يتحرر غضبي و بقية مشاعري و تكتب نفسها خارجة للعلن , لو انني انتهي من كل ذلك الزيف المحلق في الهواء والذي بات يتنفسه بني البشر غير مدركين هذا , وان علموه بعضهم فأصبح كالسجائر حين يحذرون منها ولا تزال تستعمل , بل وربما لتباع كمية اكبر منها في حالة رأوا ان ذلك يعطيهم مكانة ما او قدرة على اتباع سياسة معينه , و ما لذي يعلمه مدمن للسجائر مثلي , ما ان فقت حتى بدأت في تدخينها واحدة تلو الاخرى مفكرا في الخطوة القادمة وما لذي من المفترض علي فعله , تتجمد اصابعي في حين ان كتابتي لا تغني شيئا انما تساعدني على التفكير اصفى مما اعتدت عليه , لو ان للتفكير تاريخ انتهاء !

 

اعقد عزمي على رؤيتها واجبن عن ذلك في كل يوم اركن فيه سيارتي عند شارعهم حتى حفظت لون بوابتهم و شارعهم وقطة كانت تمشي لتجلس بجانب رصيفهم وربما احيانا تقاتل اخريات على مكانها , ثلاثة ايام منذ عرفت عنوان سكنها , وعرفت اوقات عمل والدها و قدومه , ولي نصف ساعة منتظرا حتى يحدث شيئا ما , وتسنح لي الفرصة بمحادثتها هي شخصيا , شعري مبعثر و حالي لم يسمح لي بحلاقة ذقني و اطراف جسدي تشكي توتري و ان كنت لا اعرفني لقلت انني على بوابة المرض هوساً بما قد يحدث وما لا يحدث , اتصلت بمعتز ليخبرني ما لذي علي فعله,فاخبرني انه لا يوجد حل سوى ان اطرق باب بيتهم , استهجنت رأيه وكيف بي ان افعل ذلك, اصبحت الساعة التاسعة صباحا , حتى قادتني قدمأي الى بوابتهم , بالرغم من شكوكي جميعها , بما قد حدث لها منذ تلك الفترة , التي استجمعت قواي فيها , و طرقت بابهم .

 

فتحت هي الباب لعدم وجود منظار به و اجاب صوتها من خلف الباب ناعسا من الطارق , عرفتها من صوتها , وعجزت حبالي الصوتيه ان تنطق , ضاعت فجأة معالم اللغة في عقلي , ولم اعلم ما لذي يجب ان اقوله او ارد به , او ارحل فقط ولكن قدمأي مثبتتان في الارض , اجبت: فارس , قالت : فارس من ؟ فأجبت : فارس الشريف, وكأنها تذكرتني فلوهلة لم اسمع لها رداً هي ايضا , قلت : انتي ملاك ؟ بالرغم من علمي انها هي اتاني ردها ايجاباً, قلبي بات ينبض بشدة لم اعهدها من قبل , و اردت إلا ارحل دون ان ادون رقمها , حتى احادثها واخبرها بما في نفسي , و اعلم جوابي الذي كنت انتظره , فرحت حين حصلت عليه بعد تردد و ارتباكٍ , فأخبرتني وهي ما تزال خلف بوابتهم و انا ادونه بقلم كان في جيبي على يدي ,وقالت لي ان اسرع في ذلك حتى لا يراني جارهم او احد ما , و ذهبت الى سيارتي تائهاً لا اعلم ان كانت اقدامي من يسيرني او كنت اعرف الى اين ارحل , ولكن ما ان جلست في سيارتي حتى ارسلت لها : اشتقت لك !

 

نمطية القبول تندرج تحت مسميات كثيرة , و اساليب كثيرة حتى اصبح هذا المنطلق شائع الحدوث , نفعل ما بوسعنا حتى نكون مقبولين لدى اشخاص يريدون ما نريده من اشخاص او اشياء اخرى , كلنا بطريقة او بأخرى نبحث عن القبول وان اختلف السبب , و جميع انواع القبول تنتهي بإرضاء الذات وهذا ما نريده حقيقة , نريد القبول من اشخاص حتى ننال مطلب ما وهذا ينتهي بإرضاء الذات و نريد القبول حتى يرضى اخرون و هذا ايضا ينتهي بإرضائها , و ان تمعنا قليلا في اسباب بحثنا عنه لوجدنا ان انفسنا تحمل السبب الاول في ذلك , نحن اشخاص انانيون في غالب الامر , وان لم يعني ذلك ان نرفض شرب احد الماء فقط لأننا نشربه ولكن لان شربنا للماء يؤدي الى فائدة , تلك انانية غير متحكم بها , ولا نعلمها حقاً , ان كانت لتختلف احرفي وصفا في هذا الامر لانتهت ولكنني اردت ايضاح ما عنيته بأنانيتنا المبعوثه من داخل اعماقنا و دون ان نعلم , لا انكر ديمقراطية الفكره و عدم عمومها على الكل ولكنني اؤكد كلامي هذا حين ارى احدا لا يمل من ارضاء ذاته يوماً بعد الاخر , يسعى لجرد الاشخاص من انانيتهم ليتقبلوه , بينما هو لم يتقبل نفسه اولا,قابلا على مسامحة اخطائهم , لن اقول انه قابلُ على نسيانها , ولا يستطيع مسامحة نفسه , على اخطاء قد ارتكبها اناني اخر في حقه , او ربما امنيات لم يتمكن من تحقيقها فعجز عن قبول نفسه , كل ما نفعله ينصب الى فائدة في اخر الامر , هذا امر لا يمكن التحكم به , ولا ان تعزل بنفسك في مكان ما و ان تقوم باللافعل , لأنك حتى وان فعلت هذا لعنى شيئاً , لن تحقق قبولاً ان لم تتقبل ذاتك قبل ان يتقبلها اخرون, ستكون انانياُ بالدرجة الاولى ان قدمت ارواحا اخرى قبل نفسك , وان لم ترض ان تكون قائداً ومتحكما برغباتك وتفعلها ان اردت .

 

(10)

 

المرأة وحدها . . هي التي علمتني ما هي المرأة "رديارد كبلنج"

 

توالت الايام بعد ما حدث و نحن نتبادل الاحاديث و انا تتقطع امعائي فرحا لعثوري على ما كنت ابحث عليه دوما ,عرفت انها بادلتني ما كنت اشعره نحوها طيلة تلك الفترة , واردفها ذلك الليل حين اخبرتها بتساؤلاتٍ كثيرة , و جدلٍ كان قائما بيني وبين نفسي , هي ردت بكل بساطة : لرُبما كُتب لي ان القاك كي اعيش بعد وفاة ٍدامت سنيناً ! , حقا , كم كنا من اموات ورجعنا للحياة مرة اخرى .تحسنت احوالها الماديه منذ ان نقلت الى الحي الجديد , و لكن شيئا ما كانت لتفتقده في حينا , قالت انني لا اعلم شيئا مطلقا عما حدث معها , اخبرتني بماهية الموت بعدي و اخبرتها برغبتي ان اكون لها حياة , استمررنا على هذا الحال حتى مر ما يقارب السنه تتلوها الاخرى ,تشاركنا في كل شي حتى المشاعر بتنا نشعرها معاً نحن الان كروح قسمت على جسدين ,انتظر و في كل ليلة موعد اتصال كنا حددناه , و اتكور على سريري و اسمع انفاسها عبر هاتفي , او حين يبلغ بي الشوق اقصاه اذهب الى اسفل بيتهم لتفتح نافذتها ونتحادث كما اعتدنا صغارا , عنت لي دقائق كتلك كل شيء , حتى عقدت العزم على اخبار والدي و ان اتقدم اليها رسميا , اردتها ملكا لي فقط , ان املكها كلها بشعرها الاسود وعيناها البنيتان , حتى ان دموعها غلبتها في حين اخبرتها بهذا , لم تمر على فترة كنت فيها اسعد من تلك الايام , بقينا على هذا الحال الى ان علمت والدتها بأمرنا ,و اخبرت بوالدها الذي منعها من محادثتي مجددا ,بقي هذا الاخير هما على عاتقي , لم اعد ما كنته وانقلب حالي اعلاه اسفله , تصورت بأن هذه هي نهاية كل شيء , ازداد حالي سوءا حين علمت برغبة ابيها بتزويجها , وانه كان مدبرا ان يقع اختياره على ابن عمها كما جرت العادات والتقاليد و تعذره المبالغ بأمره ان فتاته قد كبرت و " عنست " و اصبح عليها الزواج واجبا , اترغم على ما لا تريده , ياللقناعات القديمه قدم الجاهليه الاولى ! , رأى والدي ما بي من سوء حال وتكراراً غير مقصود لسيرة حياته , حين مر علي في شقتي يوما , و قال ان اتجهز حتى نذهب لأتقدم لها ,حين حادثه والدي لم يرض إلا بمهر لن استطيع جمعه إلا بعد سنتين ونصف , وكان قاصدا حتى لا اتمكن بالزواج منها ,ساعدني والدي على اكمال المبلغ انما والدها استعجل امره و حصلت خطبتها من ابن عمها, الشوكة المغروسة في حلقي , لكم تمنيت وفاته اخرا, كيف يتجرا على اخذ ما هو ملك لغيره , انما كان لا يعلم , وربما كانت هي راضية به, لن اقطع رزقها بأنانيتي ,كان معتز على وشك ان يذهب ويخبر عصام " ابن عمها" عن الامر كله لكنني اخبرته ان يفعل عكس ذلك , قطعا لسبيل المشكلات الممكن حصولها , لم يكن بوسعي فعل شيء ,بكبرياء مكسور بت امشي و اعرج على طرقات الامل دون جدوى , اجد ابوابا لتغلق في وجهي زاعمة انني لم اجد الحل المناسب للشفاء من المعضلة كلها , حياتي توقفت عند هذا الحد .

 

لم تعد انفاسي تتحمل مشقة الزفير والشهيق بعد ما حدث , اعتزلت عالمي بأكمله كي اعيش في اخر مليء ببؤس كان مقدرا حدوثه , كان علي ان اعلم أي طريق بت امشي فيه حتى لا اسقط بحفرة كهذه , ولكن فوات الاوان جعلني لا اندم على أي مما حدث , لا اندم على حبها مطلقا , بل انني لا اندم النهاية هذه ,انما اندم على حالي وعدم قدرتي على فعل شي , ينبض عقلي بالحلول التي في الحقيقة لا يمكنني فعلها , في مجتمع كمجتمعي شحيح الحب سعيد بالمفاخرة به سرا ,مجتمع يكتب عنه افضل من تجربته , و حين بدر اتصالها باكية اشفقت على حالها ترجو عاجزا على ان يحدث تغييرا ما , انما انا لا استطيع فعل اكثر مما تستطيع فعله هي ,اخبرتها ان العروس لا يجدر بها ان تكون حزينة يوم زفافها إلا ان ذلك زاد نحيبها على الهاتف , ولم املك من امري الا ان اشاركها البكاء , انني اقف و قدم على طريق و اخرى على طريق اخر ولا استطيع عبور أي منهما , انني لا اكف عن الصلاة عل الله يجد لي مخرجا .

 

(11)

 

ألمرأة هي روح الحياة ، وبدونها يموت كل شيئ "عادل سالم "

 

بعد ايام طوال , و فراغٍ لا متناه , افقت من نومي في وقت متأخر على كابوس ما, املت ان يكون كل ما حدث لي السنه الماضيه حلماُ , ولكنه لم يكن , و خرجت الى شرفتي انظر بحنق الى عالمي الميئوس منه , لم يحدث لي شيء جيد منذ ذلك الحين , بت لا احادث احدا مطلقا , اذهب الى العمل و ارجع دونما صوت يخرج مني , بت منهكا لا اخشى شيئا , اعبر الشارع و لا التفت يمنة ويسرى كي اتحقق ما اذا كان هناك سيارات قادمة نحوي ام لا , لم يعد هناك ما يشغل اهتمامي , مضى على زواجها الان سنه ونصف السنه, اكره كل يوم يمر و انا احمل هذه الحقيقة على عاتقي , وكان همً واحدا تضاعف الى اضعافه , وكأن هذا ما كان ينقصني , تمر ليالي التعيسة بأغان للعندليب و فيروز في مسجلتي و انا اجلس في كرسي المعتاد لأحدق في مدينتي من الشرفه , ألا يعلم كل شخص ببؤسه , ام تسنى لي انا فقط رؤيتهم هكذا , ام بسبب الحالة التي انا فيها اصبحت اكثر شفقة , ياللقهر ! ,ذات مساء رن هاتفي برقم غريب , اخذت هاتفي حتى ارد , وما ان وضعته على اذني حتى سمعت صوتها , قلقت و بدأت شكوكي فيما ان حدث لها مكروه او شيء ما , قالت انها تود مقابلتي في مكان ما و اتفقنا على ان اتي لاصطحبها من شارع ... و وافقت حالاً , لم نعلم انا وهي كيف أتى اقتراح كهذا فجاه , ولكنني وللحالة التي كنت غارقا فيها ,اغلقت هاتفي على ان نلتقي في وقت كنا قد حددناه ليكون مناسباً , و لم استطع الانتظار حتى يحل الغد , بل انني لم انم وتجرعت القهوة التي لا اعلم لم هي في شقتي رغم انني لا اشربها كثيرا , غالبا هي احدى فعلات معتز , في حالات توتره القصوى يذهب مباشرة ليشرب قهوة و يهداء قليلاً , بينما اهرع انا للكتابة عن ذلك !

 

ذهبت الى حيث ما كانت هي تقف ثم ركبت معي و لم تلق نظرة واحده علي , كان الجو متوتراً بعض الشي , لم اتفوه بشيء و هي كذلك ,حتى و صلنا الى شارع ما , و وقفت سيارتي نظرت الى عيني وما ان فعلت ذلك حتى انهمرت دموعها بينما هي صامتة , شعرت بنيران في داخلي حين حدث ذلك فبادرتها : ليش ليش تبكين ؟ و امسح لها دمعاتها بيدي ,ابعدت المتكئة ف اصبحت بجانبها تماماً , بت انظر الى عينيها و هي تتفادى النظر الي, مما اتذكره انني في تلك الليلة اهديت اول عناق لي من انثى بالأصح من امرأتي , عانقتها لأول مره , كنت كالذي امسك بشيء ولا يريد ان يفلته مهما حدث , و اربت عليها حتى هدأت , كل شي كان صحيحاً , كل شي بدا صحيحاً في تلك اللحظه , حكت لي كيف ان عصام واقع بحب اخرى ,وإنها عرفت ذلك عبر حاسبه الشخصي حين تصفحته في مرة من المرات , لكنها لم تفعل شيئاً , لأنها لا تريده و من المريح ان لا يريدها هو ايضا , عصام يذهب الى عمله في مناوبات , كان يغضب منها لأنه كل ما اقترب منها نفرت منه , و ارتني علامات ذلك على كتفها و يدها اليمنى , حنقت على نفسي لانه ليس بإمكاني فعل شيء بينما هو يؤذيها بالطريقة هذه , و املت منها ان تصبر حتى تفرج من الله , بقيت تحكي لي عن حالها حتى ارجعتها الى بيتها الواقع بعيدا قليلا من سكني , تمنيت لو ان تلك اللحظات تطول اكثر من ذلك ولكن كان يجب ان اعيدها قبل ان يحين موعد قدومه , قبل ان تخرج من السيارة , هدأت قليلاً ثم التفتت اليها ونظرت لعينيها لوهلة ثم همست في اذنها ولأول مره " احبك " , ثم ذهبت , كم كانت تلك الدقائق من افضل ما "يرد الروح " والله يعلم كيف احتجت الى ان ابوح بما في داخلي بذلك القدر .

 


(12)

الرجل الصالح هو الذي يحتمل الأذى، لكنه لا يرتكبه " افلاطون"

ارى احرفاَ ممزقة اذرعها لا تستطيع الوصول الى احد , واحجز كماً من المشاعر بداخلي علها لا تبوح بنفسها و تخرج للعلن , في مجتمعي ان عجزت فرحوا بذلك , وان استمررت في عملية التنفس جذلا سيظنون بي سؤاَ و يفعلوا ما بوسعهم لتحطيم ذلك , انا في مكان يرى ذوي الارواح الملونة اناسً تخلوا عن رمادية الاخرين وانطلقوا في دروب اخرى وحدهم , وحين كثر عدد من هم امثالهم بدأو يلتمون على بعضهم و يكونون احزاباً صغيره , تلم جراح بعضها و تداويها و تستقي منها مفاتيح النهاية ربما , لا اعلم ان كنت ارى عبر اعينهم و اعطل عيناي عن وظيفتها , لكن لا شأن لي بذلك , ان بعض شرهم مفيد احياناً , ان بعض الشر عامة مفيد احيانا , فهو يحسن قدرتنا على النظر عبر مناظير لم نعتدها ولم نعدد لها , بعض الشر يأتيك مفاجاة و حينها فقط تعلم مالذي كنت تفكر فيه حقاً , تدرك اسبابك في كل شيء , وتعلم لم كان عليك ان تفعل تصرفات تفاجأت منها , ان هذا النوع من الشر , يجعلنا اكثر ادراكاً بانسانيتنا المعذبه , يجعلنا نشعر و نفكر و نحسن اتخاذ الشعور الصحيح في احوال اخرى , في اماكن نشعر بها بالطمانينة , بعض الشر نحمد الله على انتهائه , ولكن لولا قدومه لما عرفنا اشياء محتم معرفتها بطريقة او بأخرى , ولكنها اتت هكذا للمعرفة الالوهية بالمصلحة البشرية في هذا النطاق , و للمعرفة بنوعية الانسان وخفته , بعضنا لم يكن ليقتنع باشياء لو اتته بالطرق السهله, ولم يخض فيها تجارباً لتتثبت في عقله ومخيلته.

حين اعود الى الوراء قليلاً , الى علاقة ابي بوالد ملاك , اجد انهما لم يكونا صديقان من الاصل , و لكنهما كانا معتادين على صحبة احدهما الاخر , حتى عملا في الشركة ذاتها , في بدء عمل والدي كان يعمل في شركة صغيرة نوعا ما , استمرا يعملان معاً على هذه الحال مدة لا بأس بها , حتى حين مرض زوجة سامي ( والد ملاك ) , و كان يحاول بطرق شتى ان يدبر المال لعلاجها , لم يستطع ذلك مما اتخذه الى اجرائات يائسة , فاختلس اموالاً من شركته على قدر ما تتطلبه علاجها , و بعد ان عولجت و لم يخرج امره الى العلن اراد ان يبني بيتً جديداً ففعلها مجددا , لاحظ والدي النقص الغير معلوم سببه , اخبر المسوؤلين عن ذلك ولم يعلم بأن من كان يختلس الاموال هو سامي , فأصبح كأنه وشى عنه بطريقة غير مباشرة , و بعد ضغط من الجهات المسوؤلة عرف بندر( والدي ) ان سامي هو من كان وراء ذلك , و حصلت بينهما مشادة كبيرة , ساله والدي لم حين احتاج مبلغاً كهذا لم يطلبه هو بدلاً من ان يفعل ذلك ورد عليه سامي بأنه لا يقبل بأن يطلب احداً شيئاً مطلقاً , بل زاد على ذلك بأن اوقع والدي في قضيته و رمى التهمة عليه فلم يحتمل والدي ذلك و قدم استقالته , و كان هناك ان بدأ شركته وحيداً حتى اصبحت شركة افضل من التي كان فيها , وحدث بعدها ان توفت والدتي , استمرا لا يحادثان بعضهما بالرغم من وجودهما في الحي ذاته , حين ادرك والدها انني احببت ابنته قبل ان ادرك انا ذلك قرر ان يزيد من غيظ ابي و ينقل سكنه , ليرى ابي مأساته تتكرر معي ايضاً ,لم يكن والدها " شراً " انما لو انتهى لحمدت الله على انتهائه.

 

(13)

 

حسن حافظ : الحب عند المرأة نار مقدّسة ، لا تشتعل أمام الأصنام

 

لا تسألوني عن تصريفات حالي و اوضاعي و لن اخبر بما اود قوله غالباً , وبانني مللت الحديث و أود لو لغة الاشارة تجدي نفعا في وضعي و حالتي , اود الصمت حتى تختفي ترهات المشقة و كل من يعيشون ولا يستحقون الحياة التي وهبت لهم , اين تلك المشاعر التي وضعت في كيان احدهم حتى يلام اخرون جراء افعاله و اخطائه هو ذاته , اي كيان ذلك الذي يحوي جسدا فارغاً من داخله , حيث لا عقل ولا قلب يتحكم به , يمشي متخبطا اينما حل و اينما ذهب , ان كان هذيان المتالمين مثيرا للشفقة فهذا حاله اكثر ايلاماً , يتقلب فقير في مضجعه ويجفى النوم عينيه في حين يبقى اشخاص كهذا يعيشون معيشة هانئة ساخرين من اي شيء اخرين سواهم لا يهتم بتفاهاتهم , اني لا احسدهم انما لا وجه للمقارنة من الاصل , الجدل حين لا يحتوي المجتمع الا على طبقتين متفاوتتين فالعلو والانخفاض ولا يعلم احد هذا بينما ينشغل اخرون في الحديث عنه في الجرائد و الاخبار , كل طبقة تهتم بنفسها تاركة الاخرين في بوئسهم طالما ان لم يمسهم شيىء منهم , زمن اصبح الفقر فيه كالعدوى المنتشرة , في اعتقاداتهم : لا بأس في ان تكون فقيرا ولكن لا تقترب مني لانني اخشى على ذاتي من فقرك وانتهاكك لصلاحيات كبريائي المنتهي تاريخه منذ بدأت اهتم بمادياتي و سعادتي المصطنعه , انني حين ارى المتبخترين بعرقهم واجدادهم لا ازداد الا غثياناً , من يفخرون بمجد اسلافهم , كمن يقولون بأن الانجاز هو موا يكون الانسان وليس الانسان من يكون انجازاته " , ايكون كل شيء اللا شيء , ان الفخورين بأعراقهم ماهم الا اناس ارادوا تتدارك نقصهم ليملئوه بما فعل غيرهم , مما يشعل فتيل المنافسة في ارواح عطشى للكرامة و شبه الكبرياء , اولئك من يجور بهم الحال ظلماً ولا ينطقون حرفاً ولا يشحذون احياءً غيرهم , اولئك من وكلوا امرهم الا من لا يخيب كل من وكل امره اليه , الى الله .

 

احنق حقاً على تلك اللحظة التي رايت فيها صديقي العزيز يبكي خذلاناً و ظلماً , الحب قاسية صفعاته على اشخاص بذاتهم دون اخرين احياناً , وان كنت اظن ان بعضهم ما صفع الا لان ماقدر له كان غير هذا تماماً ,صديقي وليس هناك من يعرفه اكثر مني , حين تفاتحه بأمره يدعي النسيان الا انا اعلم بأمره الذي يخبئه بين جنباته , امره الذي ساقني الكلام حتى احكي عنه منغماً بتفاصيله وكيفية شرحها حتى يستطيع اخرون فهم ما ارمي اليه , لقنت الحياة اياه درساً اجزم انه سبب كماله الان , في كل ما يفعل , اراه في هدوئه وقسمات وجهه حين يرتشف القهوه و يبتسم على موضوع مضحك كنا نتكلم فيه , الى حين يسرح بخياله في قهوته وكأنما ملكت كل اجوبته او شريط احداث يمر امامه , يعمل ما يسد رمق عيشه ويزيد عن ذلك حتى ينشغل عن اي كان بعمله , يبذل جهده وكامل طاقته حتى يكتمل ما يفعله و يزيد عليه كمالاً , لا يميل الى اضهار ما بداخله مطلقا وان ضهر ذلك لابتسم كما يفعل دائماً , ويسعى الى نكران مابه من سوء حال حتى يذهب وحده ويخلي ما بجوفه من احاديث و اسرار , صديقي لا يعلم انني رايته حين بكى تلك المره حين تكاثرت الضغوط عليه , وان كان ذلك محض صدفة الا انني اعلم مابه تماماً , اصمت حتى لا يجرح كبريائه , حين تكون صديقا لشخص كمعتز تكون مواساتك له بجعله يضحك وليس بأن تحادثه عن ما يجول بخاطرك ,لانك وأن فعلت ذلك اشك بأنك لن تسمع سوى قهقهات الفراغ كصدى لاسئلتك , معتز لن يجيبني ابداً ان تطرق الحديث الى مابه , هو يميل الى تجاهل مابه بدلا عن مواجهته ,صديقي هاربُ منته مطافه الى ماهرب منه ليس الا .

 

في حين يبالغ اخرون في حزنهم و شقائهم يبالغ معتز في سعادته , وقناعته اللامنتهية ان من استسلم لحزنه انتهت عواقبه وخيمة و خسر وقتاً كثيرا , في احدى الايام اخبرني ان الانسان يكون ذاته ولا تكونه الاشياء , مقولة اقتنعت بها وحفظتها جيدا , خاصة اني خالفته في ان المواقف في الحقيقة ما تصنع الانسان , واخبرته حينها بأن الانسان ماهو الا صور مسبق التقاطها , وانه ان تجاهل مشاعره فهو متجاهل لنفسه ومهينٌ لها , بانكاره لما يشعر به , كالعادة .. ذهب كلامي من اذن ليخرج منزلقاً من اخرى , انما لا بأس , ان بعض المخاليق لا يدرك بعثرته الا بعد حين , سأدعه حتى يعلم هو بنفسه ذلك , بينما اذهب لأصافح سريري لان التعب ابلاني وانا لا اكف كتابة عن ذلك .

 

(14)

 

"

 

مَا بقى فِي نَبرتي غِير النّحيبْ
البكَا عَانَق ووالَفْ بحّتي !
مِنْ كِثِرْ مَا أقُولْ وينِكْ يَ الحبيبْ !
صِرتْ أنَا مَا عادْ أعرفْ نبرتِي !

 

" بدر بن عبدالمحسن "

 

معتز هشام رواس , صديقي المعجزه .. منذ الصغر و صداقتنا تتخذ طابع القرب والصدق فيهما , ولأن دفعت عمري فأنا غير مستعد للتخلي عنه بعد , هو الباقي بعد الله من العابرين في حياتي , او في الحقيقة لم يأتي موعد رحيله بعد , اعجز عن وصف معاناة شاب مثله , لغز لا حل له ماهوا فيه , رمًد كل ماهوا من المفترض ان يكون قاسٍ او مؤلم ليعيش متغاضيا عن الامر برمته , هو ممن يستطيعون التركيز على اهدافهم ان ارادوا , و حين الخلوة بأنفسهم والتي هي عدوتهم الاولى يبحثون عن اي كان ليشغلهم عن مراودات الذات و المرارة المحنطة مع ماضيه على لوح واحد , وقع ذات يوم تحت ظلال فتاة ما , بقيت معه فترة و اثناء ضعفه المادي تخلت عنه بدل التمسك به , لم تتعب نفسها حتى في ان تنظر الى اي معدن هو منه , حالفه الحظ مرة فالتحق بمدرستي "الاهلية " , او ربما اعجز عن وصفه حظاً ربما كانت احدى الصدف التي كان من المقدر لها ان تحدث وكفى , والده كان احد الموظفين الحكوميين ذوي الدخل المحدود , و لكنه كان ذا همة عالية و هي ما أورثها لأبنه فألحقه بمدرسة كهذه تتطلب مبالغاً مرتفعه خلال السنه , وحيد والديه مثلي و هذه احدى القواسم المشتركه التي جعلتنا اخوين لا يسلك الفراق طريقاً الى قاموسنا , معتز هو كمدينة تهلكها عاصفة ما فتعود لتبنى من جديد و افضل مما سبق , هو هكذا دائما , يحب اصلاح كل شيء , حتى نفسه !

 

معتز كان وما زال لا تحكمه قاعدة ما سوى ان النجاح هو افضل وسيلة لتغاضي الالم , هو الان طبيب مقيم في احد مستشفيات جدة , فارق اول وهم محبة له في عامه الاول من الثانوية , و غدا شيءً صعبٌ كسره بالرغم من نسق حياته , الذي و أن وضع فيه ضعاف النفوس هلكت مشاعرهم و تحولوا الى اشياء متبلدة الشعور لا احساس فيها , لكنني اعتقد و بجدية , انه قويُ الى هذا الحد .

 

اذكر جيداً اليوم الذي بات فيه في بيتي بغبار يغطي ذكرياتي معه اتذكره حين اخبرني انه يعاني احد المشاكل العائلية وان عليه البقاء يومها الى ان تنتهي , وافقت سريعاً و فرحاً لان ايامها كانت ايام دراسة و كنت ملولاً حينها بينما كان هوا الرفيق المماثل , بات معي ليلتها و بعد فترة عرفت منه ان والدته طلبت الطلاق من والده اكثر من مرة مزمجرة عن طريقة عيشها و كيف ان دخله المحدود لا يغطي مصاريف عيشتها , لم تكن تلك المره الاولى ولا الاخيره , و كان والده دائماً ما يقابل صواعق والدته التي ترميها عليهما بصمت حتى ينتهي الامر بذهابها لتنام وحدها في غرفة اخرى , لم يعد يكترث حتى بأن ينفعل عليها او حتى يظهر لها اهتماماً في ما تقوله , هي دائماً تجد عذرا ما حتى لا تجالسه او تفعل له شيئاً , و كأنما غصبت على زواجها هي الاخرى و كان مقدراً ان تكون شاردةً حين تمت اجراءات زواجها من هشام , يالهمها تلك المرأة , وكانما وقفت تحت الموت بنفسها وقالت اقضي علي ! ..

 

تعلم معتز ان يكبت ما بداخله , و حينما تسنت له الفرصة ليخبر احدهم بما تحمله نفسه وضع القدر في طريقه رنيم ليزيد بلاؤه بعدها , لا الوم القدر على ما حدث به ولكنني اتمنى لو كانت احداثه اخف على النفس من ذلك بقليل , معتز مدمن قهوة منذ الثانوية , حتى اعتادها جسمه و تغلغلت في دمه و اصبحت بلا تاثير عليه , و كأنه مجرد ماء ما يشربه , وهو من يملىء شقتي الان بكثير منها , انا لا احبها ولكن في بعض الاحيان يغمرني كسل ما فأضطر الى وضع الحليب معها لتخف طعماً و رائحة .

 

هو يحب ان يتصرف كما لو كان كل شيء بخير , و كأنما ودع احزانه في صالة الهجران ذات يوم وقرر ان يعيش لا مبالياً , عشوائية ترتيبه للمفردات لا تراعي كتابتي ولا تسكت ما بداخله , وان تحالف ذلك مع رغبته الدائمة في ان يكون الافضل , في ان يكون صالحاً للعيش , بلا تاريخ نهاية يحتم عليه انهاء القوة التي بداخله , حتى وأن رحل فسيظل هناك دوماً من يذكرونه و يدعون له خيراً في امره , هو كالمزدحم العاجز عن الحركة , فأتخذ مسارات سريعة حتى ينتهي من البؤس الذي من الممكن ان يحل به لو استسلم لاحزانه و اوهامه , تعصم بالله واستمر لا مبالياً كما قلت سابقاً , معتز ربيب جدته , حين تخلت عنه والدته بحكم ان تقاليد عائلتها ترفض ان يبقى الاطفال مع والدتهم , و بحكم انها لا تريده من الاساس , فربته جدته لوالده , التي لم تقصر معه حقيقة في اي شيء , وربته كما يجب , كما ربت والده , حتى اعتادها و اعتاد كل شيء , بيت جدته كان قريباً من مدرستنا فساعدت والده على اكمال مصاريف ابنه حتى انتهى من دراسته , و لكي لا ينقصه شيء , عاهد معتز على ان لا يذهب هذا هدراً , لم يعد ذاته في الابتدائية , او ربما جرى عليه بعض التطرف في سلوكه , حيث اصبح يحضر الحصص كاملة كي لا يفوته شيء , لم يعد نفسه القديمه , ومشى تحت مثل " الضربة الي ماتوجعك تقويك " , فشلت والدته في الاحتفاظ بكنزها فبئست لا حيلة لها في زواج و لا غيره , حتى اتاها من هو اكبر ضعفاً من هشام , هنا ما ادعوه سخرية القدر , بذور هي زرعتها فلتحصدها كما يجب , كما انني سمعت انها باتت مطيعة له فأرجئت الامر الى امواله , كمن حمل كماً من التراب في كفيه و نثره في فمها , ومن يخبط و يتسخط على مصيبة كي تاتيه اخرى , فعلت بهشام ما فعلت رنيم بمعتز انا لا احب امه اطلاقاً , اتتخلى امُ عن ابنها هكذا! , و انا لا اعلم حتى ما تفاصيل ان تمتلك شيئاً , ثم ترميه من اعلى هوة تلقاها فلا تعود تحمل في كفيك الا وهماً وذكرى لما كان عليه يوماً ما .

 

(15)

 

كل ما يرجو المؤمِل ممكن ... إلا رجوع شبابه المنصرم " جميل صدقي الزهاوي "

 

عندما اقول ما اقول وافكر ما افكر لا اعني انني اعنيه مئة بالمئة بل من الممكن ان يحمل كلاما اخر , و حين احادثك وجها لوجه فلتقتنع اني احمل عنك انطباعا اكثر مما تحمله كلماتي , قالها معتز لاحد رفاقنا كان جالساً معنا حينها , معتز لا يحبذ الجلوس معه , لا اعلم ماهية الذي بينهم , نرجع الى حيث ما كنا , معتز وللاسف الشديد توفت جدته حين اصبح في الواحدة والعشرين , بلغ بها الكبر مبلغه , و توفاها الله الى رحمته , حزن معتز على وفاة مربيته الاولى , و والده لم يتزوج بعد امه لمعتز , بل اتم على تربية ابنه بينما حاله هو نفسه يزداد سؤاً , اودت به الحياه مجرى لم يعتقد انه سالكٌ له , حتى حين اراد ان يكون قدوة لابنه , اخفق في ذلك ايضا , حتى وان كان معتز تحز في نفسه تصرفات والده , حين خبز الحياة ورمى بها على ارصفة الطريق غير المذكورة نهايته , لم يعد يسأل عن والدته و اقبل على مساعدة والده و نفسه فقط , فلترحل هي اينما ارادت , بعض الراحلين لم يتوجب لهم البقاء , وان بقيوا لعاثوا بحياتنا فساداً , في حين ما كنت انا الملم جراحي وابوح بها ليلاً , بقي فراس لا يحكي شيئاً ولا يعترف بأقل المشاعر ايلاما , لا الومه على ذلك , الراحلين يورثون الصمت في بعض جوانبه , والباقون اشد ايلاماً ان فرض رحيلهم يوماً ما .

 

طرق باب شقتي الواحدة مساءً , فوجئت بالطارق ولكنه لم يكن الا معتز , جائني بضحكات شككت ان ورائها امرا مباغتا , اخبرته ان يقول لي مابه ومالذي اتى به في هذا الوقت , كان يبدي ضحكات متوتره و يتنقل من موضوع الى اخر و تجاوبت انا معه حتى يستطيع ان يخبرني متى شاء , بعيدا عن توقعاتي فاجأني بانه بدأ يتكلم اخيرا , و يخبرني بما حدث معه في المستشفى , عن الفتاة الجديدة , حكى لي قصتهما معاً و من فرط حماسته كنت لا اتبين الكثير مما قاله , و بينما كان هوا بتحدث وثبت من على الكرسي و ذهبت لاحضر له قهوة ما , بينما هوا قام معي و اكمل كلامه وانا احضرها , معتز كان يحكي عن شغف جديد , و بابتسامة اعرض من التي اعتدتها , كان يتكلم عن تغيير في حياته وانها كلها بدأت تمشي في المسار الصحيح , حالما اصبح طبيباً مقيماً بدات فرصه تتحسن قليلا عما كانت عليه , كنت اشاهده يثرثر كطفل فرح بلعبة جديده , لم اتكلم كثيرا حينها , انما جعلته يكمل كلامه فقط .

 

كنت اتكلم معها قبل ان ياتي معتز , و كنت مستاءً قليلاً بسبب المشادة التي حصلت مؤخراً بيني و بين ملاك , لم يعلم عصام بعد بما بيني وبينها , مضى ما يقارب السنتين على حالنا الان , اردتها قريبة جدا مني ولكن مابيدي حيلة , لا اخفي دموعا بكتها عيناي تعبيرا و حزناُ جذلا , كيف برجل لا يتمنى سوى مالا يملك , رحم الله والدتي فالسماء لو كانت عندي ربما علمت مالذي يجب علي فعله , كنت وملاكي مقربين اشد القرب من بعضنا ولكن لا يعوض نقص الزواج شيء , فكل ما بيننا كان سراً وانا شخص لا اجيد امتلاك الاسرار , كنت افعل ما بوسعي حتى اضفي عليها سعادة ما في كل مرة تشعر هي فيها بالحزن , ان اجعل لها قيمة في عين نفسها بعد ان اجبرها والدها على ان تخون وفائنا , هي لا تقابل والديها مذ ان زوجت , مررنا بفترة زادت فيها مقابلاتنا لبعضنا البعض , من كان ليصدق انها لم تمس بعد , انا لم اتجراء على الاقتراب منها الا بالقدر الذي تسمح به , اما عصام فأشكر الله على ان رزقه حب أخرى قبل ان يُزوج بها , حتى يصرف نظره و يشغله عنها مطلقا , هي ليست للبيع نهائيا , حتى يأتي احدهم متى شاء ويرمي بها ارضاً , و كيف بمن يرى جوهرة تمشي بجانبه ولا تميل نفسه اليها , لا اعلم مابعصام , لكن مابينهما لم يزد عن رسميات ماقبل الزواج , هوا لا يحادثها ولا يجلس معها , لم يضيع حتى فرصة النضر اليها , كلاهما جبرا على عكس ما رغبا به , عرفت لاحقا انه يحب اجنبية تعرف عليها عندما كثرت سفرياته الى الخارج خلال فترة ما , و احمد الله على ذلك , و انا افعل ما بوسعي حتى املىء حياتها , هي لا تهتم فهما الان ليسا ابعد من غريبين في عش واحد , هي اقرب الى احضاني انا منه , انا من لا املكها .

 

اصارع ليالي لا انام كي ابقى معها دقائق اكثر اتعمق في كلماتها وكيف تنطقهم او حتى كيف تكتبها , طلبت ان تكتب اسمي على ورقة ما و تعطيني اياها , بلا سبب مقنع سوى انني اردت ولو بأبسط الطرق ان املك احرفأً هي كتبتها , ان املك اي شيء منها ليكون مني , حتى اصبحنا في كل مانفعله سوياً , في كل مانراه وكل مانعتقده , قاسمتها اعتقادات و نظرياتٍ عن احلامي ومجرة تخيلاتي معها لتخبرني عن كواكب و شموس لا تكفي لتصف محبتها لي , احبها والله اعلم بمقدار محبتي , ولا احمل بيدي سوى الكتابة عن ذلك .

 

مروان , اسم ابننا الاول , نعم وصلت بنا الاحوال الى ان نتخيل هذا ايضا , ترفع معنوياتي كثيرا حين تشاركني امنيات مستحيلة , حتى اعلم ان مابي من حال هو حالها ايضا , وان ما يعتريني من اشواق يعتريها هيا ايضاً , سمعت عن تقلبات في شركة والدها , و ان اعمال عصام الحرة لربما تدهورت قليلاً , فبات يشح بعض الشيء للصرف على البيت , لا تبالي هي طالما هناك ما يسد رمق عاطفتها , لا تعلم هي على حد قولها مالذي كانت لتفعله بلا ربنا ثم بدوني , الحياة اسهل بوجود اله ليدير مقاديرها , الله من يعلم سراءنا و ضراءنا , ليحمينا بطرقٍ مقدرة من الاذى , نحن وان تحلينا بالقناعة بما يكفي حتى لا نشعر بالالم حال حدوثه , وتعمل الاذكار كالمخدر بما كان , الله الذي وان كنت رجوته حسن خاتمتي و فوضت اليه امري كله انما ارجو طلباً بسيطاً الان , هي .

 

اوراقي مبعثرة كما هي دائماً , بينما شقتي تبدو كمن لا يسكن فيها , انا لا ااتي اليها الا اوقات راحتي بين الفينة والاخرى , او لشرفتي من اجل الكتابة , شرفتي مبعثرة جداً , اوراق على الطاولة الخشبيه و اكواب بجانبها و بطانيتي و هاتفي و انا وافكاري , يالبعثرة المكان , رتبت الاوراق التي انتهيت من كتابتها وامتلئت بشخبطات قلمي الاسود جانباً , بينما اكملت جنايتي على الاوراق الاخرى , اخترت هذه الشقة تحديدا لشرفتها التي تطل على شوارع المدينة , فارى الناس من اعلى وكلهم يتحركون ضمن حركة محددة , روتين جميل وقاتل , بائع الخضرة ما ان يخرج من عمارته حتى يذهب الى جارنا ابوخالد ليجلسا معاُ في الصباح الباكر قبل ان يذهب ابو حسام الى عمله و الاخر الى محل خضرواته , اطفال المدارس الذين يذهبون مشياً و يتكئون عند الكافتيريا قبل الذهاب الى المدرسة , حتى يأتي عبدالغفور ذا الصوت الجهور واللحية الكثه الذي يؤنبهم و يجبرهم على الذهاب امامه اليها , ويتأكد من دخولهم لها , رجل كبير عبدالغفور هذا , يقول : والله اعلم ابوكم اذا ماتدخلوا قدامي الحين فيذهبون الى مدارسهم على مضض , هو اعلم شخص بالاشخاص في حارتنا , و يحرص على ان لا يخف وتيرة دوره هذا , عمله هذا هو مايجعله يشعر بأهميته خاصة بعد ان مضى من عمره الكثير , و كبرت امرأته معه , هما مصريان الاصل , امرأته خياطة و هو نجار , وهو مايسمى جهدٌ بعرق الجبين , لا يعترفان بكبرهما و يستمران على العمل , لديهما ولدان كبيران سافرا مصر ليدرسا هناك , عبدالغفور مقرب الى اغلب الاهالي في الحارة , وبالتأكيد ليس الى ابنائها .

 

(16)

 

لا يكفي أن تكون في النور لكي ترى ، بل ينبغي أن يكون في النور ما تراه " عباس محمود العقاد "

 

في مفهوم احدنا للفشل , والدُ بقي يرغب النجاح لأبنه حتى نجح , ووالدُ اخر فعل الشيء ذاته انما فشل ولده , الاخر يرى الفشل الموجود في ذاته و يخافه في ابنه , الاول راى ابنه ناجحا مسبقاً , تلك هي نظرتنا الى الامور بشكل عام , تجاربنا السابقة لها غالب التاثير على حياتنا , وهي عامل اساسي في تكوين صورتنا عن الاشياء , الصورة المسبقة التي نمتلكها , ماهي الا احدى مفاهيم الفشل , كمن يسقط من درج ولا يصعد درجاً في حياته مرة اخرى , خوفاً من تكرار التجربه , الفشل يعكس خوفاً كامناً في ذواتنا ان لم يكن مكتسباً , اشخاص لم تكن لهم الفرصة في ان يتعايشوا خبرات جديده , و اعتمدوا على تحليل مسبق لما قد او سوف يحصل , نحن حين نفشل في المرة الواحدة , تزداد قدرتنا على التفكير في سلبيات الامور اكثر من ايجابياتها , و ينعكس ذلك على قدرتنا في رؤية الامور , و على فشلنا فيها , في اثناء ذلك لا نكف تفكيراً عما قد فعله فشلنا لاحدهم , كالطبيب ان اخفق في معالجة احد المرضى , ونجح مع عشرة اخرين , انه لا يرى ذلك , انما يرى المريض الذي اخفق فيه, خاصة ان كان يحمل قيمة معنوية بالنسبة اليه , وعامة ان لم يكن .

 

حكى لي بتروٍ قائلا بأنه التقى بها صبيحة يوم احد , هي تعمل مثله , و ايضا في ذات المستشفى , كان مركزاً في الجدول الذي امامه حتى مرت هي , منقبة لا يضهر منها شىء , و تحديدها لحالات المرضى غالبا مايكون بصحته لو كان اتياً منه هو نفسه , استغرب من هي او من تكون , نقلت حديثا من مستشفى ما في الرياض , صغيرة في السن كما يبدو على جسدها ذلك , وكان هذا حين سأل رئيس القسم عن من تكون , اخبره بأن اسمها نجلاء خالد باحسن طبيبة مقيمة نقلت حديثا من الرياض الى جدة لتسكن ووالدتها في بيت عمتها عندما توفي والدها المسن , عمها تزوج على عمتها امرأة اخرى , ولكنه حال وفاة اخيه تكفل برعايتها و امها و اخوتها , و اتضح ان به ذرات من الوفاء بعد مافعل , و اخبره بأن عليه ان يتوخى الحذر منها لأنها بنفس عقله على ما يظن , اخذها معتز على محمل المنافسة , و كان هذا سبب اختفاء معتز لفترة عني حيث انه كان يذهب باكرا جدا حتى ينتهي من اعماله قبلها , بينما هي تفعل الشيء ذاته , روح المنافسة اشعلت نار الغيرة بينهما لسبب لا يعلمانه , هما لا يتحدثان لكن اعمالهما تتحدث عنهما , ان رأها تتحدث مع طبيب ما راح هو ليسأل مشرفة ما عن شيء هو يعلمه مسبقاً , انما فعل ذلك ليثير غيضاً فيها يستلذ به , و ذاع صيتهما في المستشفى بين الاطباء و طاقمي المستشفى و حتى الهندي بائع القهوة التي افرطا من شربها هو من جهة و هي من جهة بأنهما " موظفا الشهر " من منحنى الطرافة , مدير المشفى كان يسر بهذا سراً لانهما زادا روح العمل في المستشفى , الجميع كان يعلم ما بهما الا هما , كانت تلك اول شعلة حبٍ حقيقية لمعتز , لم يعلم هذا الامر الا بعد مرور عدة اشهر على عملها في هذا المستشفى , كان يسأل عنها الاطباء الاخرين والعاملين في المستشفى و صديقاتها كي يعلم كيف هي طباعها او ما شابه , حتى اصبح بدون علم منه يستعلم عن توافه الامور , رانية صديقة نجلاء هي من تخبره دائما عنها , مالم يعلماه ان رانية هذه كانت تكن مشاعراً لمعتز قبل تأتي " حرامية الرجال " على حد قولها لتأخذه منها , فأصبحت تنقل الكلام بينها و بين معتز لم يتفوها به , حتى حقد احدهما على الاخر , و اصبحا يكنان غضباً بدلا من المنافسة , و لم يشكا للحظة بالحسد الذي كان يعتري رانية , اختلطت المعايير ولسبب ما بات معتز يشعر بضيق حتى اصبح يحضر متأخرا او يأخذ اجازة مرضية , كانت رانية تخبره عنها كلاما لا يجدر بها قوله , و هو لم يكن يتكلم مع نجلاء حتى يعلم ما اذا كانت قالته ام لا , بين الايام التي مضت و نجلاء تترقب مجيئه , و هي تكاد تموت غيظاً من كلام رانية , التي اخبرتها ان معتز يحب اخرى وان عليها تقبل الامر الواقع , لم تكن تدرك انها غيرة ما شعرت به انذاك , بل حين خطرت لها الفكرة هزت رأسها نفياً , هي لا يمكن ان تحب مطلقاً , ان كان للجميع طريقة ما في الحب فهي لم تخلق لتسلكها , الحب لبقية البشر فقط , اما هي فلها بالمستقبل كما قال والدها المتوفي , عليها ان لا تركز الا على النجوم , النجوم مثلها عالية فالسماء , لا ترى احيانا , انما تسطع نوراً بينها وبين نفسها , تضيف زينة الى السماء وتدل الطريق .

 

كلمات الراحل حينما كانت طفلة تعمقت الى نفسها كثيراً , فباتت لا تلقي بالا الى الامور الثانوية بتاتاً , التزمت بدينها و اكملت تعليمها حتى تستطيع اعالة اخوتها الثلاثة الذين تتراوح اعمارهم بين التاسعه و الثالثة عشرة وامها المسنة, هي لن تحب معتز ابداً , ولن تدع له المجال حتى يسكن عاطفتها , لن تفعل هذا ابدا بنفسها , على حد قولها لرانية التي فرحت في داخلها , للجهد التي لم تحتج طاقة لبذله كي تفرق بينهما و بين بوادر الحب التي كانت على وشك الاشتعال , لتنتج شيئاً جميلا كما يجب به ان يفعل , كما قال نزار قباني : الحب في الارض بعضٌ من تخيلنا , ان لم نجده عليها لأخترعناه .

 

استمر يأتي ليوقع دخوله وخروجه و يفعل بعض الرئيسيات فقط , و لا يبحث عنها كما اعتاد ان يفعل , حتى يرى ماذا تفعل واين تذهب , بات قلقاً ذا ملامح متعبة , لم يبكي لنفسه هذه المره , انما انكب على دراسة الحالات وكأنها همه الشاغر فقط , ارواح هؤلاء المرضى هي ماتحسب , رانية لم يعجبها ان معتز لم يعد يتحدث اليها مطلقاً ولا حتى للسلام , انما كتمت غيظها حين حدث ماكانت تريده , ان يكون معتز لها فقط , لم تكترث ان تألم جراء مافعلت ام لا , انانيتها البحته لم تجعلها ترى اي شيء غير ماتريد ان تراه , وما تريد ان تراه لم يكن ليرضي احدا .

 

في يوم ثلاثاء رتيب بملل , حضرا هما الاثنان بعد جدل صامت مر بهما لفترة , صادف ان تصعد هي بعد ان دارت احد اروقة المستشفى لتصعد عبر سلم الطوارىء الى السطح حاملة قهوتها ب " الموكا " حتى تستنشق الهواء بعد يوم متعب , فتحت عن وجهها الغطاء وابقت شعرها الطويل مختبئاً تحت طرحتها , لا يضهر منه شيء , و بقيت تشرب من قهوتها , مرت وهلة قبل ان تدرك ان معتز واقفا بمسافة تبعد عنها بعض الخطوات , كان صامتا محدقا اليها و بقيت هي فمكانها , كان ينضر الى ملامح وجهها لأول مره , الى عينيها الواسعتين و شفاهها الخمريه , لم يستطيعا الحركة او التكلم ولم يخطر الى بال احدهما اي شيء , تلك لحظة صمت مرت بهما , حتى ينتبه هو الى ماحدث ويغض نضره عنها و تهرع الافكار الى مخليتها عما اذا كان سيؤذيها بطريقة ما ام يدعها و يذهب , و ما ان التف عائداً بعد ان خيبته كلماته و لم يستطع النطق او اي شيء ماعدا التركيز في مايفكر به , حتى نادته بصوت مرتخ لم تعلم هي لم فعلت ذلك : معتز فين كنت ؟ , هو لم يعلم ماذا يقول او ماذا يفعل و يجب عليه النزول بسرعة حتى لا يأتي احدهم ويتبين من امرهم خطئاً , اجاب متلعثما : لا بس الاهل وكذا , بعد ان غطت وجهها انبثقت الكلمات من شفاهها بينما هي مغمضة عينيها حتى تخرج بطريقة اسهل , قالت : كذاب .. عشانها صح , تفاجىء هو من التي تتحدث عنها , كاد ان يجزم انها عرفت امر رنيم , وهمه الطفولي , اجاب بهدوء : و أذا كان عشان اي احد انا حر اجيىء الى المستشفى ام لا , يكفي انني لا اتلاعب بالاشخاص ولا اجعل الناس يظنون ما يظنونه عني , " انتي طحتي من عيني ي نجلا " , هي دمعت عيناها بالرغم عنها ولم تصدر صوتاً بل ذهبت من امام ناظريه , و حدق هو في الفراغ هنيهة حتى ذهب هو ايضاً , هذا ي اعزائي كان حديثهم الاول " الحقيقي " بعد فترة من الافعال التي تعبت التحدث بالنيابة , كان الجو بارداً بعض الشيء , وبقي كوب القهوة منسياً في محله .

 

(17)

 

الحسد أغبى الرذائل إطلاقا، فإنه لا يعود على صاحبه بأية فائدة " جورج هيغل "

 

رانية ليست شخصً شريراً , لكن الجوع والنقص الذي تمتلكه يجعلها تود الحصول على كل شيء , ان وضعت هدفاً نصب عينيها فهذا ليس لأنها تريد الهدف ذاته , انما لكي تملىء الغرور المتبحلق حوله , كان معتز لامعا جداً , وكان لا يلقي بالا لها ولم ينتبه لوجودها يوماً , فبدأت تضهر نفسها حينما كان لا يكف السؤال عن نجلاء , تكشف وجهها و تحاول ان تلفت انتباهه بينما كان يعتقد هو انها هي بطبعها هكذا , مابها من نقص في نفسها كبير جدا , و حين ترى كيف هما يكملان بعضهما كانت تتأكل حسداً و تفور غيضا لأن ليس عندها نصف ما تمتلكه نجلاء من تدين او خلقة , من الواضح ان ليس من احد ليعلمها بما بها , الى حين اتت فرصة ترقيتها لكي تحدد تخصصها و تذهب الى مستشفى اخر و تبدأ حياة جديده , وتترك الاثنان بسلام , عندما علمت ان محاولاتها جميعاً بائت بالفشل .

 

ذهبت هي و بات على عاتق حمامتي السلام ان يتعلما التحليق مجدداً , بلا عوائق ولا ملهيات , عادت روح التنافس بينهما لتعلن عن تسامحهما , بعد وقت كان ان يطول وقبل ان تنطفىء فيه الشعلة نهائياً , اخذ معتز رقم عمها من سجل بياناتها بعد ان علم بأمر وفات والدها و تقدم لها رسمياً , و بعد تردد خشية ان لا تعلم ماذا تفعل لأمها و اخوتها ان هي اجابت , فأخبرته بأن التأجيل من الافضل , وان " كل تأخيره فيها خيره " , ولكي يعقدا الصلح اخبرته هي بأقوال رانية و اخبرها هو ايضا , و علما حينها بما فعلته هي من التفريق بينهما , حتى وأن لم يٌعلن ماهو بينهما حقيقةً وعلناً , كانا يعلمانه بداخل انفسهما فقط , و كان هذا حين اخبرني معتز بخطبتها اليه .

 

عاشقا قهوة اجتمعا لينجبا طفلا يحبانه كالقهوة , هذا ماكنت اقوله لمعتز امازحه به , فينفرط ضحكا لصحة المقولة , كانت تجمعهما القواسم المشتركة , كلاهما محبان للقهوة وكلاهما مقيمان و كلاهما في المدينة ذاتها وكلاهما كتومين بالدرجة الاولى .. الخ , صدق من قال صدفة خير من الف ميعاد , تلك الامور التي تحدث بلا تخطيط تكون الاجمل في اغلب الامر , تتفاعل بسرعة ولم يكن هذا الا لانه كان من المقدر ان يلتقيا , و في حياة اخرى كانا ليلتقيا مبكراً , حتى يكملا اهدافهما معاً , و يشفيان جراحهما سوية .

 

استمرا بالعمل معا في المستشفى , و معتز يكتم كيظه بعض الشيء , كيف بها ان ترفضه , رغم انه مقدرُ لحاله , ولهذا لم يتفوه بشيء , رقت سبل الحديث بينهما حتى بدأت تتلاشى تدريجيا , تلك محرمات المجتمع الذي لا يعترف بالحب مطلقاً الا سراً , و يعترفون بالفضائح عوضاً عن ذلك , هم فقط على حد قولهم " انشغلوا " بالعمل و المرضى , ولم يعد هناك ما يكفى من الوقت حتى يُسمح لاحدهم بالتفكير في امر الزواج , هي مع امها واخوتها الصغار والمستشفى , وهو مع المستشفى و انشغاله المصطنع الذي لا يكف عنه منذ عرفته , هو يتغاضى عن اموره بانشغاله في اخرى , وهي تتغاضى عن امورها ولا تتغاضى عنها في الحقيقة , احيانا و في اوقات قليلة جداً جمعتهما الصدف على ذات السطح , يشربان القهوة معا ويتحدثان في اللاشىء وبضعة مرضى سئم الحديث منهم , وتلك امور من هنا وهنا شكلت حديثاً , حتى رجعا الى سابق عهدهما بعض الشيء , حين حدثني وكاد " يجلطني " ببرودهما الذي لا يطاق , وكيفية تحملهما على كل هذا ليردفني قولا بأنه " بخير " , اي بخير هو فيه ! , اخبرته بأن يحاول الدخول الى حياتها قبل ان يحكم عليها كما يفعل في كل مرة , الحكم المسبق هو ما اودى به , رأيت في عينيه عدم الاقتناع الكلي بما قلته , لكنني برأت ذمتي ان حصل بي شيء بسببهما , ولكي لا يُترك شيء بدون ادلة اكملت الكتابة عن ذلك .

 

ضوء الانارة يزعجني , اميل الى اطفائه و اشعال ضوء اقل منه شدة , كمصباح صغير او شمعة ربما , لولا انني اخشى بحركة عابثة ان احرق منزلي , قللت من كتابتي هذه الايام لانشغالي بالعمل , و اوراق كثيرة ومستندات لا تنتهي , مثلها مثل ايام حياتي , لا فائدة لها و لا مغزى , ربما تنصب الى مصلحة ما كمصلحة الشركة مثلا , ومصلحة مادية كأدارتي لفواتير المنزل وقدرتي على دفعها , ولكن لا شيىء منها ينصب الى روحي , ولا فائدة معنوية في ذلك , انني اعمل جاهدا و في بعض الوقت اتسائل لم علي ذلك , فكرة جنونية تراودني بالبدء في توضيب حقيبة و الذهاب الى لا اعرف الى اين , الى وجهة غير محددة , فقط اذهب لأروح عن نفسي قليلاً , واترك روتينية العمل المقلقة , بينما انني في الحقيقة استنفدت ايام اجازتي في الذهاب لرؤية ملاكي , ذلك بحد ذاته مريح الى حدِ ما , حتى انا من يكره الروتين والحياة الرتيبه بات لي روتينٌ الان , مرغما على السير بحذافيره , واتباع قانونية المجرة و نظامها في تسيير كل شيء الى محله , كل شيىء وان بدا بلا هدفٍ انتهى الى امرٍ في النهاية , ولكننا كما قال جل تعالى لم نؤتى من العلم الا اقله , انا اعلم ما اريد وكيف اريده , وربما اتمكن ايضا من حساب الى اين تؤدي عواقبه و نهاياته , ولكن الامر كله بيده اخراً , انا لي وعلي الدعاء بأن يتحسن حالي ولو قليلاً , كأمل ضائعٍ لا اعلم اين اخفيه ولا يعلم وجهته هو الاخر , الحمدلله قدر بزوغات الشمس الى هذا اليوم والى ما بعده , لا الومه على حالي واقداري , ولكنني ككل العباد ادعوا ان ارزق اجوبةً , نعم .. اجوبة لأسئلة كثيرة تدور بعقلي الان .

 

(18)

 

ليس ما لا تعرفه يسبب لك المتاعب ، وإنما ما تعرف أنه مسلمات وحقائق وهو ليس كذلك " مارك توين "

 

اخر الليل هو افضل وقتي , من الثانية صباحاً و حتى الخامسة فجرا , انا و سيجارتي بعلبتها الفضيه مرمية على احد اطراف طاولتي بجانب احد الكتب و اغلب الناس نيامُ او على الاقل في حارتي , وملاك نامت قبل قليل , لم احلق شعري منذ فترة , طول قليلاً ولكن ليس بزيادة عن الحد المطلوب , لطالما كان شعري هكذا الا ايام المدرسة , لم اكن يوما مماشياً لتوقعات احدهم , و حين افكر بالموضوع الان , لم اطابق تحليل احدهم عن شخصيتي ولا في اي يوم , لست غامضا ولا احب ان اكون غامضاً ولكن هناك شيئا ما بي يجعلني لا امشي تحت وصف معين , او روتين ما , لا اطيق الرتابة بحد ذاتها , ولا الترتيب احياناً , الترتيب يحدث للصمت طنيناً في اذني , وانا حقاً لا اطيقه , اجلس على شرفتي في وقت كهذا , بينما اسرح بين فينة واخرى اتذكر ماا كنا نقوله من خرافة عندما كنا صغاراً , عندما اخبرتني بأن الناس عند الوفاة تصعد ارواحهم الى الشمس و لسذاجة عقلي بت اعرض نفسي للشمس حتى تراني امي , الى ان اصبت بحروق جلدية شفيت بعد فترة , او عندما كن الفتيات لا يلعبن معها لانها لا تحمل الواناً من " الماركة " التي يحملونها , لانها تفضل الالوان الشمعية بدلا عنها , فنبقى انا و هي لنلون مابدا لنا من صفحات دفاتر التلوين , في طفولتنا لم يكن لنا حدُ مطلقاً , نتخيل الواقع كما نريده , و افضل من الحقيقة بمرات , احببت الرسم بعد ان احببتها , و اصبحت احاول قد الامكان ان ارسم صورا مطابقة للاصول التي ارسم منها , حين اخبرها بما كانت عليه تحزن قليلاً , لأن ما كانت عليه م نعقل اختلف الان , ولأنها مجبرة على ان تواكب واقعاً لا تريده , انا لا اكف عن الاهتمام بها كل ما سنحت لي الفرصة لأن افعل ولكن هناك احساساً اكبر يغالبني بأن ليس من حقي ان افعل هذا , وأن كنت انا اريده او كانت هي تريده , هي الان ملك لعصام وليست ملكاً له , اعترف بكل شيءٍ الا هذا , حين اقلب هاتفي و اجد اول رسالة ارسلتها لها , في تلك الايام و ارتباكاتها , لا يطرىء في بالي الا انني لا اعلم اقداري حق المعرفة , و أن الله كما ارجعها الي , سيؤدي بنا الى طريقة مهما تكن لنرجع مرة اخرى , عقلي كشبكة تعلق بها الذكرى بسهولة جداً , ولا اعلم لم لا انسى احداثاً حدثت لي قديماً , و كأن عقلي مسجلة ما , بعض الذكريات لا يجدر بها ان تملىء فراغاً من المفترض ان يكون لأخرى , انا انهك تفكيراً واتسائل حقاً متى سيتوقف عقلي عن التفكير اللامنتهي , يجب ان يأتي على وقت ما حتى اجلس مع نفسي لأصفي ذهني من الافكار التي تتراكم و تزدحم لتشكل لي صداعا فقط ولا اكثر .

 

غرفتي تحمل اللون الرمادي في كل شيء , ارتاح الى الطابع الرمادي فهو يعكس عالمين مختلفين تماماً وتعايـشا ليخلق كلٌ منهما هذا اللون , الرمادية تهىء امتزاجاً لأثنين لا يمتزجان , احدهما يمثل كل شىء و الاخر هو يُمثل اللاشىء , الاسود لا ينطبق عليه سوى ان يدعى باللاشيء , هو لاشيء لحد ما يجعل كل شيء يختفي بداخلـه , بينما في الحقيقة هو يتجاوزها ولا يخفيها , حتى وأن اختارت الاشياء الاختفاء بداخله , و أِن كان قراراً , فهو لا يأبه ولا يرضى بأن يختفي شيء او احد , بل ربما يضهره اكثر من ان يخفيه , ان احتاج احدهم البعد عن الاخرين وامتطى السواد كي يُتجاهل , ولا يُلقى له بَال فقد اختار طريقاً خاطئاً, الرمادية تعكس الاخفاء والاضهار معاً , ان تكون مَوجوداً ولا تُوجد , ان تُنسى ولا تَنسى , ان تُدرك ولا تُفهم , كُل تلك الامور تعكس في لون واحد فقط , تستخرج ما بداخلي من كلام بلا ان ينطق , حتى يصبح اللون في حد ذاته تعجيزاً بحت , البياض في مخيلتي لا يعكسُ الا نقاءً , لا ارى فيه الا وجوه اناسٍ طاهرين و أرواحٍ رحلت بلا عودة , ذكرى طفولة و جناتٌ منتظرة , و امُ عجزت عن الامومة فتبنًت , البياض لا يعكس اهمالاً مطلقاً , بل كل ماهو بادرُ من الوجدان بطيب نفس , ما زلت معلقاً لوحات رسمناها في صغري على جدران غرفتي , و صندوقي الموجود في احد الادراج يحمل بعضها ايضاً , الذي يحمل رسمتي لها , هي وحدها التي لم تعلق , ماذا ان سقطت من الجدار وكسرت او ضاعت او اصابها تلفُ ما , ملاكي لا تتحمل هذا النوع من الاهمال , حين اريتها الصندوق و ما بداخله تفاجأت , و حملت اليها بهجةً بطريقةٍ ما , بكيت هي و بكيت انا على ايام ذهبت , بكينا بطهارة اللون الابيض , بعيداً عن ماكان يجب فعله و مالا يجب , وعن العالم كله , هي بين احضاني وانا اوحِدها , تلك احدى المرات التي بكينا فيها سوياً , حين تتناثر هي اجمعها معاً مرةً اخرى , و لا تستطيع ملاكي ان تخبىء عني اي شيء , بتُ اقرىء كل شيءٍ في عينيها , هي حين ترتبك وتعجز عن الكلام تبكي كي لا تضطر الى اخباري شيئاً قد يؤلمنا معاً , كأن تتحدث عن كل ما اخشاه كفراقً محتم او لا نهاية , النهاية خلقت لتكمل ماتفعله البدايات في اصحابها , تضع خاتمة كالتي في القصص , انا قصتي لا تحمل خاتمة , او ربما تفعل لكنني لا اعلمها بعد ولا أود ذلك في الحقيقة خاصة ان كانت سيئة , يراودني فضولي ان اعلم فصول مستقبلي او اتبين نهايته عند كاهن ما , و قبل ان يمنعني ديني امنع انا نفسي من فعلها لأنه ماذا ان فعلت وكُتب عليَ شيءٌ لم يكن ليحدث بالاساس , فقط لمجرد ان احدهم اخبرني بحدوثه , ماذا ان كان هناك سوءُ كان ليصيبني و لكنه لم يكن ليصيبني ان لم اذهب انا لأعرفه في المقام الاول , بل ماذا ان علمتُ شيءً لا يجدر بي ان اعلم به , الاقدار سرٌ ولا ينبغي ان تكون غير هذا .

 

(19)

 

على حفنة رسائلنا

 

اضع رأسي لأبكي

 

فيمحى على الورقات

 

بعض من حبرك و حبري

 

للسقف في غرفتي

 

افكار تجاوزه

 

ولا انسى ولا ادري

 

***

 

على حفنة رسائلنا

 

جفني بات يؤلمني

 

و يداي تؤلمني

 

و ذكرى مكتوبة

 

و احدى الجاراتِ

 

لا تنسى ولا تذكر

 

اذوق المر في الماضي

 

و في الحاضر

 

ولا انسى ولا اذكُر

 

تعابير وجهك الغادر

 

***

 

على حفنة رسائلنا

 

اهاتي تراودني

 

و دمعات بالعين تكفر

 

الهي من يطهرني

 

حين بكيت ذنبي الاكبر

 

***

 

تمر الايام بهدوء الان , اذكُر ان ابي بقي على حاله , لا يكفُ بطريقة غير مباشرة عن طلبه , و انا لا اعلم ماذا اقول رداً عليه , سوى انني منشغلُ واكتفي بسرد لستةٍ من الاعمال التي على عاتقي و اذهب , انا حانقُ على نفسي جدا , و لا اعلم ماذا افعل , و في كل مرة هو لا يكف فيها عن اعادة الموضوع نفسه , في اخر مرة انتهت المكالمة بصعوبة بسبب هذا الموضوع , لا احب الكلام كثيرا واعادة رايي لِالاف المرات , طائري اصبح مثقلاً و عاجزاً , ولم ينتهي الامل الى ان ربما و فقط ربما يحدث ما يغير هذا كله , انا ما زلت اراها غالباً كل اربعاء , لنا موعدٌ و مكانُ لنلتقي , نحنُ ربما اكثر حظاً من عشاق اخرين , و بالرغم من الحمايات الموجودة في جده , الا اننا لم نفترق و لم يُكشف امرنا بعد , تلك اللحظات عندما اكون معها اود فقط نسيان العالم وما فيه , او ان امسك الكرة الارضية في مخيلتي وارميها من على جبلٍ ما , لم امسسها بعد و كذلك هو عصام , و لكن مافي الامر يقلق راحتي , كان من المفترض ان تنتهي علاقتنا الى ذاك الحد حين تزوجت و لكنني لا استطيع وليس بيدي حيلة , انا لا اود فراقاً مطلقاً , هذه السنة الثانية لزواجهما او في بدايتها على الاقل , سألتني ذات مرة ان واتتني الفرصة بأن اقف على قِمة جبلٍ ما و اصرخ بشيء ما , فمالذي كنت سأقوله , اكتفيت بالتحديق في الارض مفكراً مالذي كنت سأصرخ به , ان كنت سأدع العالم ليعرف انني احبها , ام ان لساني سيربط عليه ولا استطيع ان اقول شيئاً ربما , اشرت اليها نفياً بأنني لا اعلم مالذي سأفعله , ردت : فقط ؟ اجبت : نعم فقط , رادفتها سؤالها و سألتها , بعد فينةٍ اجبتُ ب : لا اعلم .. سأصرخ بأِسمك ربما , بعد وهلةٍ قلتُ : اذا هل تعدينني ؟ , اجابت متفاجأة : بماذا ؟ اخبرتها : ان لا يأتي علينا غدُ دون ان نكون سوية , اجابتني بطرافة وهي تنظر فيً بتعجب : حيث لا ينتهي الصباح مطلقا , ونكون ما نكونه ؟ اجبت : نكون ماذا ؟ و ردت علي : نكون سوية !

 

هي نجمةُ من السماء الواسعة , أُنزلت علي من احدى السماوات حتى لا اتوه بين ركام الارض او اتلاشى , هي نجمتي المفضلة حين تنضُر الي كما تنضُر و تبتسم كما تفعل , بعض النجوم خُلق ليعيش بعيداً الا هي خلقت لتعيش بين اضلعي , كم من الرجال محظوظُ لتُحبه مثلها , لا استطيع الشكر كفاية على هذا , لكنني ارد شاكراً بأن احبها اكثر من اي شيء , ولن اقول اكثر مما تستحق , لأنني بشريٌ ولا اعرف كيف هو غرام الملائكة , وما يستحقونه !

 

من الامنياتِ ما غُرس في قلوبنا منذ الصغر حتى كبرنا , يتكون كحلقةً فارغه في ارواحنا , كنقص كان يجب ان يتم , نكبر باحثين عنه ايً يكن , و من الامنيات ما هو مستحيلُ تحقيقه , او مستحيلٌ علينا نحن , و لكنه يحيل على اخرين لانه لم يكن من الامورِ التي تنقصُهم على اي حال , من التفاوتات بين البشر ما تجعلنا لا نفقه ُ لها سبباً, و يجعلنا نبحث عنها هي اساسا بدلاً عن دراسة اسبابها , من صورِ الامنياتِ طفلُ بقي يرسم بطباشيره بيوتاً بينما هو بيته محطم و ماهو الا شتاتُ و ضياع حقوقً بسبب والدٍ اعتد برجولته المصطنعه ليتركه هو و امه متخلياً و ليس كناية عن عدم قدرة , و لكنه تخلٍ بحد ذاته , بلا استقرارِ ايً يكن , فقط امنيات ضائعه , تضهر على عيني الطفل لمن تعمق جيداً , بعضهم في احتياجٍ ولا يضهر الا داخلاً , ولا تعبره الملامح الخارجيه لاحدهم , كلها امنيات ناقصه , و من النقص مالا يضهر , و منه مالا يُبحث عنه , لانه لم يكن باديا في الامر من اوله , اذا كان هناك ما تُرك في الخلف فهو الامنيات نفسها , لأنه حين يكبر احدهم يبقى حتى يبحث عن النقص و ينسى البحث عن اسبابه , ولا اعجبُ ان كان بعضُ النقص ناقصاً ! , فلا يجدُ ما يحدده كنهه , و انما يكتب عنه احدهم ليملىء الحلقة الفارغة فيه , ولا تكفي الافكار الطافية على رأس احدهم لأيجاد حلٍ ما , ولا حتى الحلول انفسها , قد تكون ممكنة لحل المسألة , القيثارات تسرق الوقت , هي من اللصوص المرضي عنهم , كالاخرين الذين نسمح لهم بأخذ جزء كبير من حياتنا , عن رضى منا , هي كالامنيات , تسبب نشوة ترفعنا عن الارض للحظات , او حتى نشعر بالهتان من المطر , ماذا سيحصل ان خرج المرء عن واقعيته قليلاً , هي تمنح الشخص فترة لكي يتخيل فيها واقعا ما ويعود حاملاً املاً اكثر عن ذي قبل , بدلا من فرط الاحساس بالدنيا و نسيان انفسنا معلقة على جدران من زجاج , نراها معلقة ولا نخشى عليها من الاهمال او التلاشي , و لا ندع بداً للاعتقادات المغبرة من ان تجعل ارواحنا تنكمش على انفسها , ان سألت شخصا الان لم لا يدافع عن امنيات كانت له منذ صغره , و يحققها لأجاب بأن عليه ان يساير واقعية الدنيا كي لا يصدم و يجد نفسه في احد الزقاقات الغير مرغوب بها , هو في داخله يقول بأنه ان اخذ النصف فهو كاف وهو افضل من لا شيء , الانصاف لا تُكمل في داخلي شيئاً , الا اِن اجبرت على هذا , بوفاتي مثلا , ولكنني لا ارضى حتى وان بذلت كداً مضاعفاً حتى احصل على ما اريد , انا لا ارضى بأن ينتهي امري هكذا , الامنيات يجب ان لا تُنسى ابداً , ايبادل الجهد والعرق بالهواء !

 

(20)

 

الحب سعادة ترتعش " جبران "

 

انامل مطلية بطلاء وردي للأضافر , كانت يداها بين يدي , يدها باردة الى حدٍ ما , و ذلك بسبب التكييف في سيارتي , اطفئته و عم الهدوء لوهلة , و بقينا نتكلم عن كل شيء يخطر ببالها , مر علينا اسبوعان الان لم نرى بعضنا , و شارعنا يشكوا فقدانه لنا , لاننا كنا نقف عند ناصيته و في كل اربعاء , تعدوا الايام بسرعةٍ فائقة , علينا نحنُ عُشاق الليل , و بالمواعيد المُتفق عليها , و تنتهي و نحن لم ننته من التفاتةِ ما او رفع كوب عصير , بغمضة عينِ تحدث الكثير من الاشياء , او تمر على بعضها الايام برتابةٍ لا تطاق , و تخلٍ واضح و عدم الاهتمام بالدقائق التي ترميها مجمدة في صندوق الذكريات , سعادتي لوجودها لا توصف , هي تغير من رتابة حياتي الشيء الكثير , و تغزو عالمي بالنغم الهادىء المتراخي احيانا و النغمات العالية احياناً اخرى , و الان اشعر بالذنب لشعوري بالسعادة والنشوة اكثر من الاشخاص من حولي , اراهم كلهم يُرخصون قيمة الحياة اكثر مما يجب , لعدم امتلاكهم اشخاصً مثلها , منها من لم ينتبه في الاصل الى عدم امتلاكه سبب سعادة كالذي املك , اذهب الى العمل في كل يوم على عجل كأنها نزهةُ سريعة انتهي منها لأرجع اليها , ملًت الكلمات مني وانا لا انتهي وصفاً , لكن تحتم علي كتابتي عن هذا الامر , كبيتٍ كتبته قبيل ساعة من الان , على منديل و قبل خروجي من العمل { لا قول لمن لا لسان له , اتفهم الافكار دون تحدثِ الانسان } , و لا اتفادى جلوسي في هذا المكان كل يوم اكتب عن ما يراودني , و هي لا تعلم بساعات كتابتي عنها , اكتفي بالقول انني ما زلت في العمل , و ما أن انتهي من كتابتي لأكمل يومي كما كان , منذ زواجها لم يمر يومُ لم نتحدث فيه بطريقة او بأخرى , الا يوماً و نصف اليوم , و هذا لمرضِ نزل بي , باقي الايام حين امرض تكون خفيفة وطئها , في غنج صوتها يجعلني امر بمراحل الاشتياق و الاتفاق على ان لا اتفق مع نفسي, و حين تدمع عيناها لا اتمالك عيناي حتى تبكي هي الاخرى , هي كالخمر حين تأتيني , لا ترحل الا و تأثيرها في عروقي قد افقدني عقلي , اذنب بقلبي حتى اتطهر تكفيراً عن ما افعل , من الصعب ان يمتلك المرء نفسه حين تكون بجواري , و مع ذلك لا احب اهانة ملاكٍ بالرغبات البشرية الفانية , مقنعُ ذاتي بأن الحب هو السرمدي لا العشق , بل الحب سرمدي و العشق رهينةُ صاحبه , حدَثَ ان خشيت عليها من عصام او القدر بأن تقع او تتورط بسببي , اخبرتها عن هذا فأصمتتني ملاكي كاتبة على منديل ما زلت احتفظ به : خلي الفراق لأصحابه انا و انت اثنين ماهي من سِماتنا نِفترق , عجزت عن الرد , عل احرفي تكفُ احتضاراً , و تجاوبها لكني لم اتجرىء حقيقة , غزت عالمي بترتيب مبعثر , و من العشوائيات تجعلني اتناقض مع نفسي , الحب لا يجدر به ان يكون مرتباً ! , و الحب لا يجب ان يكون بلا فوضى , بل خُلق الحب حتى يُوجِد فوضى عارمه , تُنسي فيها الاول و الاخر , القريب و البعيد , و الالم و الدنيا "!

 

الهي لو لم تكثر القيود على عاتقي , لرميت بنفسي في احضانها و في كل وقت , في معجمي يجوز ان يحب احدهم من اول نظرة , بل و اغلب شكوك بعضهم بأنه يتحقق فعلا من اول نظرة و اول همسِ و اول الكلمات , و لكن هناك من يفهم متأخراً او يكابر عن الاعتراف بان امراة ما سلبت كيانه , في مجتمعي هذا شخصٌ ضعيف و يُستغل بسهولة جدا , الا انني اراه قويُ كفاية حتى يتحمل الرفض اذا اتاه , او حتى لمجرد انه اخبر عن شعور حقيقيٍ واتاه في لحظةٍ ما , لا بأس بأن نتحدث عن مشاكلنا و نواجهها , و بعض المشكلات يُهرب منها , او يدعى ذلك عندي الخروج من المشكله , اذا لم تجدي حلولك بأن تتوجه يمينا فلتتخذ اليسار طريقاً مباشرة ! , و ارى ان من يعتقد بان الاشياء فرضت فرضاً عليه بأنه احمق ولا جدوى من وصفِ اخر , فالقدرُ كُتِبَ ولا خلاف في هذا ولكن الخيارات لم تكتب بعد , في كل دقيقة تمر و كل ثانية تغييراً ما يحدث , و لحظات تنتهي واخرى تبدأ , خلقت لنا الفرص كي تُوجد في كل ناحية , و لكي ندقق النظر في الحلول المرمية امامنا و نختار احدها , نحن لا نرى جيداً ربما و لهذا السبب نضيعُ ونتشتت , ونفقد اموراً كنا مالكيها في الاصل , نتجرع كؤوساً لم تكن لنا فقط لأن باعتقادنا انه " مُقدرٌ " علينا ان نتجرعها , و لم نرى خيار سكبها او كسرها او حتى تركها , اغلبنا يُمعن النظر في الضواهر فقط , و آخرٌ يخاف ان يبصر ما لا يود و يخاف من عواقبه , و البعض بسبب خوفه لا يملكُ بصراً ولا بصيرة , انت بامكانك انت تختار ان تكون ما تكون , بل منذ اللحظة التي تبداً فيها بالتفكير في امكانياتك , ربما تحقق شيئاً وانت لا تعلم , الرزق بيد الله , و الجهدُ في السعي لذالك بأيدينا , نحن من نتحكم بالاختيارات ونصف العواقب , اما بالنسبة للحوادث والمصائب التي تحدُث فجاة , انا اعتقد بأنها كانت مؤخرة , و كلما حدث تاخيرٌ لها كلما عُجل قضائها , لتأتي مباغتة , ارى اننا لا يجب ان ندعو بالحماية من امر ما , لأن الندم يكون اشده اذا تأخر وقعه و تقديره , و أتى كما قلت مباغتة , اما ان تحدث المصائب في حينها فهذا قدر , و اجيز لنا الدعاء في ايقافها وهذا امر مسلم به , و لكن تأخير امرٍ ما , و الدعاء في عدم قدومه ماهو الا شيء سيء , خاصة ان توجب قدومه لحكمة الهيه , ربما يجب علينا التوكل على الله في امرنا كله فقط , بدلا عن الحزن على ما حدث وما سيحدث , ربما كان من الواجب علينا ان نعيش اللحظة لا اكثر , تاركين امر القدر لله تعالى , هكذا لا يتأخر امرٌ و نفقدُ الشعور بالمصائب او القابلية في الحزن عليها , امرنا لله وحده , ولا يجدُر بنا الانتهاء عن هذا , ايما شخص يخاف امراً ما ويدعوا بعدم قدومه ربما كان خيرة له في امره , و من حيث لا يعلم .

 

(21)

 

يصبح الإنسان حراً في لحظة تمنيه لذلك " فولتير "

 

ثمة رحيل لآ يجابهه اشتياق , يعَصف بنا و من كُل النواحي , ما يجعل الكثير يصرخون مطبقين شفاههم ب : لا رحيل لا رحيل ! , بعضٌ مما خُلق لم يكن لنا لنختاره , و من الغريب ان تقع ايدينا على ماليس لنا تحديداً , و في بعض المنحنيات الاخرى يجد الانسان نفسه منحنياً حتى أن لم يكن قد خطط لذالك مسبقاً , حاله حال الرسائل التي لا تصل الى اصحابها , تسقط من كومة الرسائل و لآ يعلمُ بها احد , بينما يوصل ساعي البريد باقي الرسائل على مضض فقط لأنهُ كُلف بذلك , كمثل من يُسقط احرفاً لا يعلم معناها , و يقول مالا يعنيه , بل بعضهم يقصد بأن يقول مالا يعنيه , كي يظل في منطقته الآمنه , و لا يعلم احدهم ما يود قوله حقيقة , و كل ما استفهمه و استعصيه هو لمَ ؟ , لم كان على احدهم فعل ذلك , و لم لا يصدرُ الكلامُ مجرداً و بتلقائيته البحته و بالرغم عن انف الصمت وما الى ذلك , ربما يجدر على احدهم ان يملىء الفراغات التي تخصه بنفسه , و أن يكف عن الانتظار الذي ملّ انتظاراً , أخُلِقت الفرص كي " يتفرج " احدهم عليها , بدلاً من أخذ المبادرة باقتناصها , لآ داعي لأن يُجهد المرء نفسه كي يقول ما يريد , و ربما كان من الافضل ان تأتي الكلمات بتروٍ , حتى يقول ما يريده و ما " يقصده " في الوقت نفسه , الكثير ليقال وما عادت الافواه تستطيع التحدث , بميل مقيت للصمت و أعذار واهية لا تلقي للحقيقة بالاً , و تقشف لا يؤدي لرأب اي صدع من الممكن تواجده في أي من المجالات , ربما نحن أصابنا العمى و لكننا نسمع ! , ربما نحن لا نتكلم و لكننا نعلم , و كغيرنا و غير الكثير من الحيوانات خلقنا بألسنة كان من المفترض بها ان تنطق , ولكن القليل فقط يكتب عِوضاً عن ذلك .

 

بتعبير فضّ و بينما كان ياكل الباقي من شطيرته كنا معاً في احدى الكافتيريات ليخبرني انه يود السفر الى احد البلدان الاجنبيه لينهي امراً بخصوص عمله , تفاجأت بسرعة القرار هذا خاصة ان علامات الاستياء كانت بادية على محياه , و لسان حاله يقول بأنه في الحقيقة يود الهرب من حياته لبعض الوقت , اكتفيت بطأطأت رأسي و اكمل هو متابعاً , بأنه اخبر اهله بذلك و ماهي الا شهرين ربما و يعود , و سيكون هذا بعد اسبوعين و يوم سبت , وافقته على هذه الفكره خاصة انه بات منهكاً هذه الفتره , ربما سفره كان ليضفي لمسة ما من التغيير على حياته , وربما ولو لوهلة سيجد حلاً ما لما بينهما , و حين رجعت انا الى شقتي و استقررت على احدى الكراسي في الصالة , لفت نظري الاوراق المبعثره على الطاولة و ذهبت لأرتبها و ما أن انتهيت فكرت بأن اتصل على ملاك ولكن الساعه كانت ما تزال الخامسه و في يوم احد , بالتأكيد ما زال عصام موجوداً , و اخترت فيلماً لأتفرجه الى حين ان اعود الى الشركة انهي امراً او امرين ثم اعود الى الشقه اخراً .

 

قد نجد ان ما نراه دقيقا هو في الواقع غير واضح عند اخرين , لأختلاف مجرى الافكار و طريقتها , ربما نحن نختلف تفكيرياً لكننا نتشابه في امور اخرى كثيرة , والعكس صحيح , انا و معتز لا نشكوا من الاختلافات الطفيفة لكن حتى وان حدث ذلك هناك نوع من التفاهم بيننا , و لا اجد بأساً في ان نختلف , و لكن الغريب في الامر أن وجدت اثنين كانا لا يفترقان وكلاهما عزوة عند الاخر تُفرقهم مشكلة بسيطه و غضب عابر , هؤلاء كانا يكممان الغضب بينهما الى أن ملاّ و كلّا من كثرة المجاملات الواقعه , فكرت بأن اسافر معه لكن امور العمل لا تجعل لي متسعاً على الاقل الى نهاية شهرين اخرين , لآ أمانع العمل الكثير فأنا انجزه و لكن لآ بد ان أرفه عن نفسي ولو قليلاً , بلحظات قصيرة لاتضر احداً , كأن اكل سكاكراً تباع في البقالة التي اسفل المبنى أو اشرب شاياً بارداً خلال العمل , من المستحيل ان اجلس طيلة فترة كتابتي للمستندات و الامور الاخرى , كي لآ اشعر بالكبت او الملل أحيانا كثيرة ولا أنجز شيئاً , كغيرها في الامور الحياتيه , لآ امانع الكدّ فهو يشغلني في اوقات فراغي الكثيرة جداً , و بحيث اخصص الليل لها , و كان أن فترة عملي صباحية وهذا امر جيد لأن عصام موجود في هذه الفترة الزمنية تحديداً , فأفعل ما يحلوا لي الى ان يذهب , وبعد ان تنتهي فترة العمل الليلية , تخبرني هي ما أن تنتهي من اعمال المنزل و نتحدث الى ساعات متأخره

 

(22 )

 

و إن ضاقت عليك الارض بما رحبت اخرج و انظر كيف هي السماء رفعت !اما علمتَ ب ان الله رافعها ..قادر على تفريج الكروب و إن عظمت

 

اضمحل في افكاري متداعيا و باحثا عن الحلول دوما لما قد اجده امامي من المعضلات , و لي عقل لا يكف تفكيرا بالاوضاع من حولي , قد لا اعرف كل شيء و لكني افضل ان اجد شيئاً من الاجابه على ان ابقى تائها , شيء من الاجابة قد يعوض لي يوماً او نصف يوم من البحث عن الحل لمشكلة ما , اقضي الكثير من الوقت في ايجاد الحلول من التعمق في المشكله نفسها , و لا أستهجن ذاتي حين ارى غيري غارق بكم كبير من المشكلات ولا يعلم بذلك , لانه يأخذ الحياة ببساطة وبأريحية فوق اللازم , لا بأس بأن ارتاح , ولكنني لا اراكم مشاكلي الى ان تصبح غير قابله للحل , معتز هو غير ذلك , هو يفضل الوقت المستقطع قبيل الحل , وقت يفعلُ فيه اللا شيء و بالرغم من هذا يجد الاجابة و يبدأ بتنفيذها , اتمنى لو انني صبورٌ بالقدر الكافي لكي انتظر حتى تأتي الاجابه بنفسها , انا فقط لا استطيع أن اطيل النضر الى الفراغ طويلا فهو يرمقني بنظرات نحِسة , و أعتقد بأنني واجهت ما يكفي من" النحس " الى الان ! .

 

تعرفت اليوم على غريب في المقهى القريب من الشركة , حيث كنت جالسا مشاهدا التلفاز على قناة رياضية ما , و بدأ يتناقل اطراف الكلام , و لفت نظري ببساطته في التفكير , وفي الواقع واجد هذا مدهشاً , أنه اصاب ما اريد قوله ولكن بلغة سهله جداً , هو اكبر مني سناً ولكن ذو تفكير مقارب الى حدٍ ما , اخوه يعمل معي في الشركة و يدعى منصور , لا يؤمن في الحب وليس له رغبة فيه , هو ذو حياة عقيمة , و ذلك بحجة ان المسؤليات و المجتمع لا يؤهل الى هذا , لم أمانع نظرته الى الحياة بهذه الطريقه انما لم تدخل الى رأسي و لم اقتنع بها , و لم اجادل كثيراً اذ لا دعوى لهذا , و توادعنا على امل ان يُخلق مستقبلٌ من عقولنا المتقاربة , و لكنني اعتقد انها ستنتهي هناك وفي ذاك المقهى فقط .

 

لاحقاً اخبرتني عزيزتي عن خبر قلب مواجع معدتي , و كان له من الاثم الكثير لما أثاره في روحي , اخبرتني عن رغبته في الانجاب منها , او رغبة والدته , مارد لي الروح انها لم تتقبل الامر منه ولم ترضى به و تحججت بصغر سنهما وما الى هذا , الا أنني اعلم ان هذا عُذر مؤقت , و يجب علي ان كثنت اريدها ان اجد حلاً قبل ان يحدث ما سيقلب حياتي رأساً على عَقب , بِتُ تائها و لم يبقى يغزو ملامحي سوى برود مضطرب , ربما ولو للحظة كُنت انا لآ اعرف نفسي جيداً , و أعجز عن تحمل ما يحدث لي الا انني اقاومه و بصمت مجحف في حق كل امر جيد كان من الممكن ان يحدث لي , انا لا أفهم نفسي حقيقةً , ولا أظن بأنني سأفعل قريباً , اذكر حينها بأنني لم اعرف ماذا يجب علي ان ارد عليها , و لكن كل الكلام الذي في عقلي تلخص في كلمة " لا " , شعرتُ بأنني و ان شرحت ما شرحت او قلتُ ما قلتُ , بأن المعارضة ستأتي بطريقة او بأخرى , فلآ أعتقد بأن القدر سيوافقني على ما اقول وبحذافيره , أنا اريدها حقاً ولآ أعلم مالذي يجدر بي فعله ! , ومالذي كان ليفعله شاب في مكاني , و ان قال احدهم بأن علي الزواج منها فان كلامه كرملٍ نُثر في الهواء بلا حاجه , حين تقدمت اليها في يوم اثنين لم يكن احد اكثر سعادة مني خاصة حين قرر والدي بان يساعدني على مهرها , و لكن والدها و للأسف لم يكن ليتقبل زواجي منها , يالسخرية القدر , او لحظي المَيت , ما ينبع في داخلي أكثر من الذي استطيع تقديمه , اود لو تمكن احدٌ من معرفة هذا , ولا زلت انا و بقواي الخائرة أكتب جدلاً عن ذلك .

 

مَن يُصاب بالعقم ليس عقيماً , بل من يفقد القدرة على الحب و العطاء هو كذلك , برتابة مطلقة و دون جهدٍ مضاعف اختار ان يملّ من الحياة و يدوس بأقدامه على زينتها و يستسلم ! , و لا يعمق النظر الى مافيها , لأنه جُرحَ مرةً أو مرتين , و أتخذ من ذلك عذرا يبني بها حائلاً بين قلبه والاخرين , تتقشف كلماته و لا يسطع على روحه ضوء شمسٍ وأن كان تحتها , ناهيك على ان أختياراته هي التي تحكمه والدنيا , وهو لا يرى في نفسه روحاً , بل الة خُلقت لتحمل مسؤلياتٍ و هموم لا أكثر و هذا هو مفهوم " البشري الالة "

 

(23)

 

أَحِـنُّ إِلَى الكَـأْسِ التِي شَـرِبَتْ بِهَـا

وأَهْـوَى لِمَثْـوَاهَا التُّـرَابَ وَمَا ضَـمَّا

( المتنبـي )

 

امي , هي اللتي لا اعلم عنها الا ماتتناقله الالسنة , من اقارب و جيران و من ابي خاصة , امي كانت تملك جمال البسطاء , و ابي لا يملك الا صورةً واحدة عنها , كانت مزهوة لسببٍ ما و مبتسمةٌ في الصورة , عاقدة شعرها الى الخلف و تملكُ لمعانا من نوعٍ معين في عينيها , لطالما اخبرني والدي انني املك مثله , و ربما عاد السبب في ابتسامتها الى انها التُقطت ليل زواجها , و لم يتسنى لهم التقاط المزيد , اعرف خطها من رسائل كانت لدى والدي منذ زمن , حينما كانا يتبادلان الرسائل , امي التي لم تُعطى لي الفرصة لبرها , وددت لو أنني اتذكر القليل عنها ,و كلُ ما يمرُ في ذاكرتي هو سيارتي الحمراء الصغيره , قال لي والدي انها منها , اهدتني اياها في سنتي الثانيه , و انها ضاعت بسبب انتقالنا من بيت لآخر في ذاك الوقت , تبرعت جدتي لوالدي بحاجيات امي ولما سألتُ والدي عن سرِ احتفاظه برسائلها و صورتها اخبرني بانه اخفاها حين علم بزيارة والدته للمنزل و علم بما كانت تود فعله , أبي لم يرد حقاً فقدانها , لم يرد ان يفقدها كلياً , أبي ما زال يُصبر نفسه وأرى في عيناه أنه تمنى لو لم ترحل , انا نُسخة ابي , و من ذا الذي يُطيق الصبر على فراق احدهم , حتى الفراقات الصغيره تُثير فينا جزعا وترقباً لما بعدها , نحن لا نخشى الفقد ذاته , بل نخشى فقد انفسنا , التي تتناقص و في كل يومٍ نتنفس فيه بلا هدفٍ ولا رغبة , نحن كبشر نتعلم عن انفسنا من خلال الاخرين , ماذا ان فقدناهم ؟

 

ارى امي في كل الامهات الاخريات , في تعامل خالتي مع ابنائها , في ام تخشى على ابنها الضياع في السوق , واخرى تسهر خوفا على ابنائها من المرض , أمٌ لا تنام الليل تهدهد في طفلها الرضيع كي ينام , الام هي امي حين فقدت روحها لتُنجب روحا اخرى , لتُنجب اخي , الذي لم يقوى فراقا هو الاخر فرحل , انا اشعر بأنني عاجزٌ لأنني لا استطيع الرحيل متى ما اردت , و لا البكاء متى ما اردت , و في فترةٍ ما , شعرت بأن الكل كذلك , الا ان القلة الاحرار من يستطيعون فعل ذلك , القلة الذين اقتنعوا بعدم استمرارية الحياه لما بعد الابد , فأختاروا ان يعيشو اللحظة , أمي حين حكا لي والدي عنها , وكيف انه رأى فيها ما رأى , من حسن و طيبة برغم جمالها العادي والبسيط , و ماكان منه الا ان يحمد الله على كل حال , لا يحب الحديث عنها كثيرا , ولكنه ربما شعر بحقي في المعرفة عنها فأخبرني ما استطاعه , مما اتذكره ان لوالدي تسعة عشر رسالة مازال يخبئها في خزانته , لم أحفظ الا سطراً مكتوب فيها : لكل دقيقة تمرُّ بدونك , انفاسٌ ضائعه , و روح حزينة , و أنا أصبح غريباً على كلِ من اعتقد بأنه يعرفُني ,,*

 

(24)

 

الحب يلمع كلؤلؤة في ظلام القلب البشري " طاغور "

 

احب الاغاني الفرنسيه الهادئة , اكملت وهي تعبث بخصلات شعرها , و على وجهها ترتسم ملامح تائهة , ممددة على حضني و تنظر لسقف السياره , حتى وأن كنت لااعلم معناها , او لمن أُهدت , في الواقع احب الطابع الذي تغرسه في داخلي حال سماعها , الدنيا تصبح اكثروردية حال استماعي لها , ضحكت و سألتني : أأبدوا سخيفة ؟ أشرت لها نفياً و عيناي لا تفارقانها , ليلة هادئة تلك , اخبرَت عصام يومها بأنها باقية للمبيت لدى صديقة لها , التي قابلتها في اجتماع ما للعائلة , لم تفعل ذلك مسبقا ,وبه الكثير من المخاطرة ,الا انها لم تُبال حقاً , بقينا نتحدث حتى وقت متأخر من الليل , وروحي ترجع الى جسدي لحظة وراء الاخرى , و في الفجر مررنا بالبحر لوقت قصير و ودعتها عند باب صديقتها , كم انا مُمتن لهذه الليلة , و لا أنكر المرات الكثيرة التي تقابلنا فيها الا انني لم ابقى معها بهذا القدر , حقا انا سعيد جداً , فجرٌ , ليس كفجر الايام التي عِشتُها دونها , انا تغمرني السعادة في هذه اللحظة و تشع من عيناي , لم أشاء ان اودعها ولكنها كانت مُتعبه , كما ان صديقتها هاتفتها لكي تأتي لها كما اتفقتا , حتى عندما كانت تصعد الدرج كانت تتملكني رغبة في حملها و ارجاعها الى سيارتي مرةً أخرى , و لكن عوضاً عن هذا بقيت محدقاً في الباب الذي دخلت منه , و حملت نفسي متثاقلا الى سيارتي لأتفاجىء بأنها تركت عطرها , او ربما نسته , لثانية كنت سأذهب لأرجعه لها ولكني فتحت درج سيارتي ووضعته هناك , علّي احتفظ بالقليل منها , مُذهلٌ هو الشعور بالحُب , حتى و أن لم تكُن تُحب أحدا بعينه , الحب بالرغم مما يُسببه مِن الم , جميلٌ حقاً , الحب حينما يصفه احدهم , يخيل لي أنني ارى عينيها حين تتحدث , او تبتسم , او فقط تعدل الخصلات التي لا تمل من السقوط على وجهها , شيء ما في وجهها يُنسيني كُل ما افكر به , كل الهموم التي كانت تشغل بالي , المخاوف و الفشل , كُل هذه الامور انساها , و حين تذهب , يتذبذب الواقع و يبدأ في الصعود من اطراف قدمي الى راسي مجددا , الا انني حينها , لآ أأبه به . بعض الاشخاص , الاشياء , و الذكريات ك مغيب الشمس تماماً , جميل و يسرق اللحظة ممن يتأمل جيداً , كيف يكتفي العالم من جماله لثانيه ويختفي , يعود من حيث بدأ , و يتكرر الامر كُله مجددا , الا أنه جميل في كل مرة , جميل حين ارى ابتسامتها العريضة , او تأكيدها بأنها لا تُفضل احدى الاطعمه , أو حتى صوتها على سماعة هاتفي , و ملمس شعرها بين يدي , حين تكون ملاكي بجواري , فأنا و بكل بساطة املك العالم , هل تسنى لرجلٍ قط أن يشعر هكذا ! , ان يشعر بالنسيم اذا ما جاور جسده , او الجمال المختبىء في العالم , أعني .. أن يرى ما ارى و يشعر به , أنا رجلٌ سعيد , و هل يتسنى لرجلٍ الشعور بما أشعره ,في زمنٍ كهذا , أأحسد ذاتي على ما انا عليه , أو ابقي لحظات الفرح مُخبئة في جيبي هي الاخرى , او بالاصح .. في درج سيارتي , لكنني و بدلاً عن كل هذا , أبقى و بشغفٍ , أكتب عنها .

 

(25 )

 

اخبرني معتز بيأسٍ و هو يرتشف اخر ما تبقى من قهوته , يعلو ملامحه الغضب و وهو يحدق بالكوب , يقول بأنها اخبرته في أخر ردٍ لها على رسائله " الكثيرة " جدا , عن لم و لم هي لا ترد عليه مكالماتها او لم لم يعد يراها وما الى ذلك , قالت له :فجأه ,

تأتي الى حياتي و تعدني بكل الحب الذي تعتقد بأنني استحقه , أصدقك ,لكن المرآت التي خُذلت فيها لا تفعل , عن اي مراتٍ تتحدث , أسبق لها حتى ان تُحب قبله , ياللألم عن اي مراتٍ تتحدث , أخبرته ربما قصدت خذلاناً آخر , ليس بالضرورة أن يكون الخذلان متعلقاً بحبيب او ما الى ذلك ,نظر الي زاماً شفتيه و كأنه ان تحدث لتساقطت دموعه , و لملم اشيائه و ذهب , علمت في اليوم الذي بعده انه مسافر , تمنيت له الوصول و الرجوع بالسلامة, و عدت الى شقتي , الى طاولتي التي اكتظت بالاوراق المبعثره مجددا , رتبتها و استرخيت على المقعد قليلا , حتى اتصلت بها , رغبة حلّت بي فجأه , أخبرتها بأكثرالكلمات جنوناً , أردت موافقتها حتى الوفاه , اردت منها ان توظب حقائبها و أن نذهب سوية ولا نعود , أن نهرب , الى اي مكان في المملكه , الى الرياض ربما , الخبر الاحساء او الى اي مكان , هي لا ترى اهلها مسبقا لذا لن يشكل امرهم مشكله , حتى وأن اختارت دولة اجنبيه سنذهب لها , نتزوج , ونربي اطفالنا سوية ,دون الخشية من اي شيء , ترددت .. ثم بكت , و قالت لي بأنها لا تعلم و بأنها خائفة , راودتها كل الشكوك بالعالم وراودتني كل الاجوبه , وكأن هذا كان هو الحل الذي من المفترض ان اجده و منذ فترة طويلة , وكأنه كان امامي منذ زمن ولم اره الا الآن , أغلقت السماعه , أعتقدت بأنها النهاية , مالذي كنت افكر فيه ؟! و قلبي لا يكف عن الخفقان بسرعة , أجننت و غدر بي الزمن ولم اعد اعلم ما أنا به , لكنها في الحقيقة اتصلت مجددا , و أخبرتني بموافقتها وبأن علينا التمهل والتخطيط جيداً , شعرتُ بأنني اكاد أُخنق فرحاً و أغلقت السماعه وانا لا أكف عن التبسم , لم استطع الانتظار, ذهبت و لملمت ملابسي , لم أأخذ الا القليل مما احتاجه , وبعد أن انتهيت , رميت نفسي على السرير وبتُ أنظر الى السقف , حتى وان لم يكن اليوم , حتى ولو بعد شهر , الا انني انتظرها و بفارغ الصبر , هل هذا حقاً يحدث , وبأنني لا أستطيع الصبر الى الغد لنتحدث في الامر مجددا

 

(26 )

 

من أجل أن يتحقق ما رغبنا فيه كان على عصام ان يخرج من المعادله , حتى وان كان خارجها مسبقاً ولكن يجب ان يكون هذا رسمياً , كان عليها ان تفتعل المشكلات معه , و تتطلق منه , و هذا ما حدث في الواقع , و لها الان ما يقارب الاسبوعين مُطلقة , سافر عصام الى الطائف ليستجمع انفاسه بعد الزواج الشكلي الذي عقبته النهاية الوخيمه هذه , و ترَك لها الوقت لتجمع حقائبها و حاجياتها , و فعلت ذلك , لكن بدلاً من ذهابها الى بيتها , و لعدم علم أهلها بطلاقها بعد , غادرنا هذه البلدة فجراً , امامنا ما يقارب الثمانية عشرة ساعه لنصل , و الفرح و الخوف والتوتر المحلق في الجو لا يعني شيئاً أمام غبطتي لأمتلاك ماهو ملكي اخيرا , منذ ان عرفت الدنيا , عرفت بأنها تخصُني , حتى و أن تَعنيتُ حتى اثبتُ هذه النُقطة , الآن نحن مجرد عاشقين على طريق لا نعلمُ نهايته , و أن غالبتني بسؤالك لما عرفتُ أن أرد عليك , كُل الاسئلة واجوبتها مُبهمه , أنا لآ أعلم شيئاً , فليسيرنا الله على مشيئته , وعسى ان تكون مشيئته خيراً فنتزوج و تتحقق احلام اثنين من عباده شقيا كثيرا في سبيل لحظات كهذه , في سبيل ان المس يديها واثقا ان لا حرام ولا اي عُذرٍ أخر سيمنعنا بعد الآن , هي لي وليس اكثر من هذا , ولو كُنت أعلم لفعلت ما فعلته منذ زمن بعيد , لكنني الآن ارى الدنيا غير الدنيا , و للدنيا حياةٌ أخرى , غير التي احياها , في داخل عقلي و كياني .

 

مُتجهين الى مطار الرياض , و بأنتظارنا صديقي الذي اتفقتُ معه على كُل شيء , اعددنا كل الخُطط والمواقف البديله التي من الممكن حصولها , كي لا تتأذى ملاكي و يمكننا بعدها السفر بسلام , لم نذهب الى مطار جده حتى لا يعلم احدٌ بغيابها و يُفكر بالبحث عنا هناك , اخترنا ان نعيش في احدى الدول الاجنبية , لم امانع ان نعيش في اي مكان في العالم طالما هي معي , خططنا لأصغر التفاصيل , و بقينا نتحدث طوال الطريق و على جهاز المسجل شريطٌ من اغانيها الفرنسيه التي تستمع اليها , اخبرتني بمقولة كانت تؤمن بها , قالت : كُلنا نموت فلم لا نبدأ بالعيش ؟ , لآ أنسى تعابير وجهها الضاحكه متى قالت ما قالته , واشعلت سيجارتي و فتحت نافذتينا و عَلّيتُ صوت المُسجل , كانت تضحك لأن الهواء لا يكفُ عن العبث بطرحتها واسقاطها كما أنه كان عليها ان تعيد لفّها من جديد و في كل مرة , واعيد نَظري الى الطريق مرةً أُخرى .

 

(27)

 

كان مُتعبٌ جداً ما مررنا خلاله لنصل الى هذه النقطة من حياتنا فقط , و لآ اعتقد بأنني ولو عاد بي الزمن الى الوراء لمحيتُ لحظة واحدة من هذا كُله ! , بل أنني كدتُ لا امتلك أي حياة لو لم تكن هي بجانبي و في كل لحظاتي , لو لم أكن محظوظاً كفاية لأمتلك ابتسامتها  , فحينما تبتسم اعلمُ بأنها تبتسم لي وحدي , و حين تدمعُ عيناها انا وحدي من يمسح عنها دموعها , انا فقط ! , لو أنها تعلمْهل من انانية كأنانيتي , أنني احنق لأن على العالم مشاركتها معي , لأن على الهواء مشاركتها معي ايضاً , لآ أجد ما يُخفف عني سوى الكلمات التي تنطقها هي وحدها , ولا ما يعلمُ صدق مشاعري تجاه شيء ما سواها , من يفهمني و يستطيع النظر الى عيني مُعيداً كُل التفاصيل الى لحظتها الاولى , لأعيش تكرارها في سعادة عارمة , و في كُل لحظة انا لآ أبالي فيها بالصعوبات وما يواجهني من مخاطر والم , في اللحظة التي استطيع أن أقف فيها على اعلى قِمة في العالم و أفعل المُستحيل عالماً بأنه لن يُصيبني من سوء أشد على نفسي من فُقدانها , لو انها تًعلمُ .

تكمن الكثير من الحقائق المختبئه خلف افعالٍ ربما لا معنى لها , كثير من الكلام و كثيرٌ من الدموع , خلف ليت و لعل و خلف ابتسامة لا تكاد ترى بها خللاً ما , نغطسُ في ذكريات الماضي ونتوه في طريقنا للعودة , اغلبنا ليس الا مكابراً لألامه مُخفياً لهمومه , يضحكُ مع هذا و يمازح الاخر , وهو يحمل على عاتقه مالا يعلمه الا الله , يأخذ الكثير من الجهد ليحكي للمقربين منه و لا احد يستمع , لا احد ! , فالكل يدور في فلكه الخاص , حامل هم وهمٍ يُدعى المستقبل , الى من يفعل ذلك : انت المستقبل .

 

(28)






وصلنا الى الطائف ونحنُ مُتعبين ولكننا وجدنا باصاً مُتنقلاً مُتجهاً الى الرياض , ركبنا معه و اكملنا طريقنا , نامت هي على كتفي ما تبقى من الرحله , لم استطع النوم حقاً , لم أستطع فعل أي شيء سوى التحرق شوقاً للوصول الى المطار , تأملت ملامحها الطفوليه , نامت بأمان الواثقه بأنني سأكون بجانبها للأبد , و بأذن الله لن اكون غير هذا , انا الآن مسؤولٌ عنها و عن الآمرِ برِمته , ولن اتخلى عن مسؤوليتي مهما بلغَ بي من النَصَبِ والتعب , وصلنا الى المطار اخيراً على وقتٍ مُتاخر , وقبل الموعد بساعة , بَقينا ننتظر الى ان أتت طائرتنا أخيراً , وصعدنا على متنها ,  والآن كما هو المتوقع سافرنا .

 

( 29)

 

اود حقيقة ان اقول بأن هذا هو ما حدث ، و بأننا سافرنا ،  ورزقنا بطفلتنا اﻻمنية ، اود ان اقول بأننا عشنا الى ان بلغ بنا العمر مبلغه ، و اﻻبتسامة ﻻ تفارق احدنا اﻻخر ، لكن ﻻ داعي لتفاهة القصص و الروايات ، هذا عالم واقعي ، واقعي الى درجة تجعلني امقت كل نفس اتنفسه ، و كل دقيقة تمر ﻻ ارى بها بئسا سوى انني مازلت على قيد الحياة ، اﻻن وانا في هذه الغرفة اللعينة ، في احد المستشفيات التي ﻻ اعلم حتى ما سبب مكوثي بها ! ، و الحال ﻻ ينفك تحسنا ! ، حمدالله على كل حال ، ما اردت قوله هو ، انني فقدت اﻻتصال بها منذ سنين عده ،  وﻻ اعلم لم ، سألت كل من استطعت سؤاله ، والدي .. الذي يزورني كل يوم او يومين ، و معتز ، الذي اصر على طبيبي المختص ليدعني اكتب ما اريد قوله هنا ، خاصة حين انني لم اعد احادث احدا بعد اﻻن ، يأتي به في كل يوم ، و يذهب في المغرب الى بيته ، او الى زوجته ، هل يصدق هذا ! انا لم استطع حتى انا احضر زواجه ، صديقي المقرب و هناك صندوق في ركن الغرفه ، لم اتجرء بعد على فتحه ، ربما هيا قصاصاتي ،القديمه ، ربما هي رسائلنا ، ﻻ اعلم ، ما زلت اراها في منامي و في صحوتي ، اراها في الجدران و في عروق يدي ،  يالبؤسي ، لو انني اعلم مالذي حدث ، لو انني اعلم .

 

(30)

 

لا ارى الى اين يودي بي الحديث عن كل هذا , لكنني اعلم انه يجدر بي ان اضع خاتمة ما لكل ماكتبت , الغريب في الامر , او ماهو ليس غريبا في الحقيقة , انني لا ازال حين امر على غرفته في بعض الاحيان , لا ازال اسمعه يحادثها , و حين انضر الى عينيه لوهلة لا ازال ارى ذكراها تشع منها , ملاك لا تزال موجودة في مكان ما , في قلبه و على ملامح وجهه حين يبتسم , لقد احبها بكل ما استطاعه , و لا ارى جدوى الا ان الحال اودى به الى ماهو عليه , جمعت له مقتنياته التي اعلم بانها قيمة بالنسبة اليه ووضعتها في ذلك الصندوق , عله يستعيد وعيه يوما ما و حين يفعل اعلم بأنه ما زال القوي الذي اعرفه , حتى و أن كان كل الامر في بادئه مؤلما لربما ينتهي الى نهاية اجمل من هذه , اضع اللوم على ذاتي لأنني ربما لو لم اسافر حينها لكنت بقيت معه و اقنعته ان يعدل عن ذلك , لو انني فعلت , ليتني فعلت . صديقي الذي اراه امامي الان غافيا في سباته ليس صديقي الذي كان , لم يعد يضج بالحياة كما كان , اصبحت النوافذ الان اقرب ما لديه للحياة , بينما يتسلل شعاع الشمس الى الداخل , تتوق روحه الى الذهاب , اعلم بأن روحه قد ضاقت ذرعا من هذا  المكان , تتوق الى رائحة المطر , قهوته المفضلة , حينا , الى عيني والده , الى اصدقائه , و الى كل ما اعتاد وجوده حوله في يوم ما , الى لعبه في الحديقة معها , لطالما امتلك فارس نظرته الخاصة عن الامور , لطالما كان لديه ذلك الدافع لفعل امر ما , أي شيء , كان يتحفز لتجربة كل ماهو جديد , و الاجمل من هذا بأننا كنا نخوض تجربتنا سوية , متغاضين عن كل ما قد يقوله او يفعله الاخرون , في الماضي  , و حين اعود الى الوراء , ارى نفسي حين كنت صبياً و ابكي مما تفعله والدتي , كان هو من اكتشف مكاني الخاص الذي اعتدت ان اختبىء فيه منها , كل ما فعله هو ان أتى و جلس بجانبي , قال : أتبكي لأن ليس لديك لعبة ؟ كذبت و أشرت ايجاباً , وانا اعلم و هو يعلم , حينها ذهبنا لنلعب سوية , هو من انساني كل ماكان يحدث في عالمي , واعود الى بيتي لأجد والدتي نائمة وابي في مكان ما خارج البيت , لدي خيط من الامل ان يعود فارس كما كان , لكن الى ان يتوقف عن التصرف على انها مازالت على قيد الحياه , مالا يرآه معظم الاطباء في تشخيصاتهم , الى ان يقرىء كتابي هذا , هنالك امل ان يعود الي صديقي كما عهدته , الامل الذي لا املك سواه واتشبث فيه بيأس في كل يوم اعطيه جهازي الحاسب ليكتب عن ما بداخله , لكي يحاول ان يكتب عن ماجرى , عله يتذكر , عله يعود .

 

معتز .ِ

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق